Scroll To Top

الحركة الإسلامية في الجزائر في مفترق الطّرق: مراجعة جذرية أو تبدّد كارثي!! (الحلقة الأولى)

إنّ الذي يعجز عن تغيير حاله إلى الأحسن، والذي لا يشعر بحاجته إلى التّغيير، والذي لا يدرك الخلل الذي يعتريه، سيكون أعجز عن تغيير غيره، وتحسين وضعه، أظنّ أنّ هذه مسلّمة لا نختلف عليها.

المشاهدات : 977
0
آخر تحديث : 06:49 | 2017-02-06
الكاتب : يوسف نواسة

الأستاذ يوسف نواسة

   ستبقى الحركات الإسلامية في الجزائر ضعيفة في نفسها، ضعيفة في تأثيرها، سالكة نفس الدّروب، دائرة في نفس المسالك التي سبق لها المرور منها، مكررة نفس المناشط ونفس الخطط ونفس المواقف، وتعيد بذلك إنتاج الفشل والتّراجع والانكماش، حتى تتقبّل مرغمة مضطرة - ما دام أنّهالم تتقبّل طائعة واعية - أن تراجع نفسها مراجعة جذرية، واعية، جدّية: تراجع أفكارها، تراجع تنظيمها أو تنظيماتها، تراجع خططها، تراجع وسائلها، تراجع سياساتها، تراجع مواقفها، تراجع أنماط التّفكير السّائدة بين منتسبيها ومسيّريها، تراجع أنماط العلاقات التي تحكمها وتتحكّم فيها داخليّا وخارجيّا، تراجع أولوياتها، وتراجع استراتيجياتها....

والحقّ أنّه ليس من المنتظر أن يحصل هذا الأمر الجلل والعمل الكبير وتقبّله تلقائيًّا أو طوعيًّا؛ لأنّ التحرّك في هذا الاتجاه لا يمكن أن يحدث دون إدراك الخلل والقصور والضعف وربما الانحراف، والاعتراف بوجوده، وتقبّل ذلك. وإنّه لمن الصّعب حصول ذلك في ظلّ الوضع الذي تعيشه هذه الحركات. ذلك أنّ الوصول إلى إدراك الخلل والاعتراف بوجوده إنّما هو ثمرة العقل النّاقد، ونتيجة النّقد الحقيقيّ، فكما يقول الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله: "إذا كان يهمنا أن نعرف إلى أيِّ درجة ينبغي أن يكون الأمر حسنًا، فإنّه يهمنا أكثر أن نعرف إلى أيِّ درجة يتطلب تحسين الأمور".[بين الرّشاد والتّيه: ص 43]. بيد أنّ التّنظيماتِ عندما تغرق في الضّعف، ويصيبها الهزال الفكري والتّنظيميّ ترفض النّقد رفضا حاسما وعنيفًا، وتجرّمه وتحرّمه، وتُدين ممارسه من الدّاخل، كما تُعادي ممارسه من الخارج، متوسِلّة بذلك إلى الحفاظ على وجودها من خلال الحفاظ على وضعها الرّاهن، وهي واهمة في ذلك قطعا.

إنّ الذي يعجز عن تغيير حاله إلى الأحسن، والذي لا يشعر بحاجته إلى التّغيير، والذي لا يدرك الخلل الذي يعتريه، سيكون أعجز عن تغيير غيره، وتحسين وضعه، أظنّ أنّ هذه مسلّمة لا نختلف عليها.وهي تفسّر جانبا من عجز الحركة الإسلامية عن الحراك والتأثير في العقد الأخير. والواجب الأول فيما أحسب لتجاوز مرحلة العجز هذه هو فتحها الباب على مصراعيه للحركة النقدية داخليًّا، والاستفادة من كلّ النقود الموجهة إليها خارجيّا، من غير تصنيف النّقد التّصنيفَ الكلاسيكي: نقد بنّاء ونقد هدّام!. فهذا التّصنيف عادة هو بداية إبطال مفعول النّقد وإهماله. وماالضّير في الاستفادة من النّقد المغرض القاصد للهدم وللإضرار، لا للتّنوير والإصلاح؟!، فقد يحقّ المبطل، وقد ينفع الضّار، وقد يصدق الكذوب كما علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «.. قد صدقك وهو كذوب»!. وحالة الركود هذه التي استكانت إليها الحركة الإسلامية في الجزائر لا مخرج منها إلّا بطاقة إضافية تتجاوز الموجود بكلّ إبعاده ومعطياته؛ لتنتقل بها إلى حالة الفاعلية والانفعالية مع التّطورات المتسارعة التي يعرفها المجتمع الجزائري والعالم من حوله، وإلّا ستبقى في حالة عطالة وبطالة وانجرار في مسالك دورانية أفقية، تبذل الجهود وتقوم بالأعمال وتقدم التّضحية وتنطلق لتجد نفسها قد رجعت للنقطة التي انطلقت منها، فهي في حركة أفقية بدل أن تكون حركتها عمودية، ترتقي بها في مدارج التّغيير والتأثير والإصلاح. ولكن بنية الجمود عصيّة على الاختراق أو حتى الزّعزعة خاصة عندما تتسربل بسربال المقدّس، وتتماهى مع الرّبانية والبركة، أو تهدد مصالح المتنفذين أو تفضح فشلهم وانعدام أو ضعف كفاءتهم.

إنّي أوكد أنّ أول خطوة في طريق المراجعة وفي سبيل الإصلاح هي "النّقد" بكلّ اتجاه، وعلى كلّ الصُّعد، ولكلّ المجالات ... وإن كان ذلك سيزعج المسيّرين بشدّة كما سيزعج القواعد التي يكشف لها حقيقة الوضع من غير تزيين، وربما يوقظ الجميع من أحلام لذيذة استكانوا إليها مدة طويلة، يقول الدكتور عبد الكريم بكار: "كثيراً ما يجفل وعيُنا من النقد والنقّاد، ونقف موقف الحذر من أولئك الذين يكشفون عن المفارقات المقلقة في حياتنا العامة، ولست أدري لماذا يحدث ذلك: هل لأن النّقد يكسر إلْفنا للأوضاع السائدة، ويطالبنا ـ من ثم ـ بالتّغيير؟ أو لأنّ النّقد ينطوي على نوع من الإدانة لنا بسبب إبرازه للعيوب والأخطاء؟ أو لأنّ النّقد يمنح صاحبه تفوّقاً فورياً على أقرانه، على حين أنّ التّفكير البنائي يحتاج إلى فترة طويلة حتى تظهر ثماره، مما يدفعنا إلى الغيرة من النقّاد؟ أو أنّ هناك أسباباً أخرى لنفورنا من النقد وأهله؟ على كلّ حال؛ فإنّ الذي نعتقده هو أنّ الخدمة التي يقدِّمها التّفكير النّقدي على صعيد محاصرة الأخطاء والشّرور لا تقدّر بأيِّ ثمن...التّفكير النّقدي هو أرقى أنواع التّفكير، وهو في الحقيقة أحد ألوان التّفكير الإبداعي، وهو على درجة عالية من الأهمية على طريق التغيير والإصلاح. وأنا أدعو إلى التدرّب الشخصي عليه، كما أدعو إلى تدريب الناشئة على مهاراته". فلا يعارض النقد إلّا العاجز عن ممارسته أو الخائف من الحقائق التي يبرزها والأوهام التي يسقطها.

   قد يغضب الكثير لو قلت: إنّ الحركة الإسلامية في الجزائر رغم كثرة مناشطها، وكثرة أعمالها، وكثرة الجهود المبذولة لم تقدّم شيئا!، وقد يصرخ الكثيرون في وجهي: أنت تستهين بالعاملين وتضحياتهم، وأنت تنكر كذا وكذا ... وإن كانت سنن الله في الكون ومنطق الأشياء تقول: مادام أنّها لم تحقق أهدافها فهذا يعني أنّ ما تبذله لا يوصل للمطلوب ولا يحقق المرغوب، وهذا ما يقرره القرآن الكريم: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}، أيّ: إذا قدمتم المطلوب منكم كاملا جاءكم النصر عاجلا. ولكن هذا الغضب والثوران سيضعفان أو يزولان حين نعلم أنّ هذا الحكم حكم به -ليس على الحركة الإسلامية في الجزائر فقط، بل على الحركة الإسلامية كلّها- الإمام المجدد محمد الغزالي رحمه الله "وماذا فعلت الجماعات الإسلامية الكثيرة التي جعلت عنوانها خدمة الإسلام؟! والجواب أنّ هذه الجبهة الإسلامية من هواة ومحترفين. من جنود رسميين ومن متطوعين شعبيين. لم تبذل إلى الآن جهدا مذكورا..! ". [من هنا نعلم: ص 98] ويقول أيضا: "قال لي صديق: لماذا أراك دهشا؟، إنّ هذا ما صنعه الإسلاميون بأنفسهم!. أتريد صورة للإسلام الذى يقدّمونه؟، تخيّل معرض سيارات فاخرة أحسن الصّناع جوهرها ومظهرها، وتطلّعت العيون معجبة إلى روائها، فإذا عارضٌ كثير الصّياح يقدم بدلها، وفى زحامها دابة نشيطة أو كسولا، عارية أو مسرجة، ماذا يفعل النّظّارة بها؟، إنّهم يسخرون منه ومنها، ويتركونه ودابته!. هكذا قدّم الإسلاميون الإسلام!!. إنّ هؤلاء الدّعاة يصلحون للعمل في أسواق الماشية، ولا يجوز أبدًا أن يتحدّثوا عن إسلام لم يفهموه، ولم يرتفعوا إلى مستواه..". [تراثنا الفكري: ص 48]، وهذا الحكم العميق من الشّيخ الجليل يصدق على كثيرين ممن أوقعت الظّروف مسؤولية تسيير الحركة الإسلامية في الجزائر في أيديهم. وحينما نقرر هذا الحكم لا نقصد اتهام الأشخاص في نياتهم وصدقهم، ولا نقلل احترامهم، ولا نستهين بجهودهم وتضحياتهم، كلّ ما هنالك أنّنا نحاول تقييم هذه الجهود المبذولة والطاقات المصروفة، فكم من عامل على غير سبيل، وكم من عامل بطريقة خاطئة!، وكم من عامل يبذل جهده في الميدان الخطأ!، وكم من جندٍ لله في المعركة الخاطئة!. ولا خير فينا إن لم نقلها ولا خير فيكم إن لم تسمعوها ... يتبع

يوسف نواسة

لا يوجد تعليق

تعليق

التفاعل بدون حسابي :

الاسم :*
البريد الإلكتروني :*
النص :*

عدد الأحرف المتبقية 500

مجموع 7 و 5 يساوي :*

التفاعل مع حسابي :

ليس لديك حساب ؟ يمكنك الاشتراك مجانا

اسم المستخدم :*
كلمة المرور :*

الأخبار بالفيديو

القائمة

يسعد ربراب، مالك مجمع سفيتال في حوار مع قناة البلاد

نشر في :19:37 | 2018-09-16

البلاد اليوم: كل شيء عن التكوين المهني مع وزير القطاع محمد مباركي

نشر في :09:16 | 2018-09-12

البلاد اليوم: دخول مدرسي متعثر .. موسم درسي عصيب!

نشر في :12:54 | 2018-09-08

البلاد اليوم : من بكتيريا الى وباء الى لغز ..هل فعلا قضينا على الكوليرا ؟


أعمدة البلاد