Scroll To Top

الحركة الإسلامية في الجزائر في مفترق الطّرق: مراجعة جذرية أو تبدّد كارثي!! (الحلقة الثالثة)

"الحركة الإسلامية في الجزائر لا بدّ أن تتجاوز واقعها بكلّ مكوناته أفكارا وأُطرا وأشخاصا"..

المشاهدات : 439
0
آخر تحديث : 12:03 | 2017-02-22
الكاتب : يوسف نواسة

الأستاذ يوسف نواسة

إنّني لا أشكّ لحظة أنّ المراجعة المنتظرة من الحركة الإسلامية في الجزائر لا بدّ أن تتجاوز واقعها بكلّ مكوناته أفكارا وأُطرا وأشخاصا، فلا ننتظر تجديدا بنفس الأفكار القديمة، كما لا ننتظر تجديدا بنفس الأطر القديمة، وحتما لا ننتظر تجديدا بنفس الأشخاص وبنفس الوجوه القديمة. وما قاله الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله عن المجتمع ينطبق تماما على الحركة الإسلامية بوصفها (مجتمعا خاصا)، وذلك قوله: "وإنّه ليجب بادئ الأمر تصفية عاداتنا وتقاليدنا، وإطارنا الخلقيّ والاجتماعيّ، مـمّا فيه من عوامل قتّالة، وِرمَم لا فائدة منها، حتى يصفو الجو للعوامل الحيّة والداعية إلى الحياة.وإنّ هذه التصفية لا تتأتّى إلاّ بفكر جديد، يحطم ذلك الوضع الموروث عن فترة تدهور مجتمع أصبح يبحث عن وضع جديد، هو وضع النهضة. ونخلص من ذلك إلى ضرورة تحديد الأوضاع بطريقتين:

الأولى: سلبية تفصلنا عن رواسب الماضي.والثانية: إيجابية تصلنا بمقتضيات المستقبل".[شروط النهضة: ص 86]، ومن غير هذه التصفية سنبقى نراوح في المكان ذاته.

ومن أهم ما يجب أن يكون واضحا هو أنّ الحركة الإسلامية ليست ممثلا معتمدا للإسلام، وليست النّاطق الرّسميّ له، بل هي اجتهاد في العمل للإسلام وتصور لتطبيقه وتحكيمه والتّمكين له، بعيدا عن تصنيف باقي الشعب الجزائري، وهذا سيسمح بوضع مسألة الهوية في الخطاب الإسلامي موضعها الصحيح، فالهوية الإسلامية هي عنصر مشترك بين الجزائريين كلّهم، وهي عنصر توحيد وتآلف لا عنصر تفريق وتخاصم، ولن يتحقق ذلك إلّا بسحب الخطاب (الهوياتي) من التّجاذب السّياسيّ أو بتعبير آخر: السّمو بالهوية على أن تكون آلية من آليات التنافس السّياسيّ إلى أن تكون أرضية للتوافق المجتمعي. وهذا يتّطلّب من الحركة الإسلامية الخروج من مرحلة الشعارات العامة الجذابة إلى المشاريع الجادة. وأحسب أنّ الحركة الإسلامية في الجزائر تحتاج إلى الخروج من حالة الإصرار والمكابرة على أنّها تمتلك مشروعا إلى الانطلاق في صياغة مشروعها حقيقة؛ للوصول إلى مشروع كالمشروع الماليزي: (مشروع الإسلام الحضاري)، هذا المشروع "الذي يقدّم رؤية للدّين تستحضر وتكثّف كلّ المعاني والقيم والتعاليم الإسلامية التي من شأنها أن تجعل الإنسان فاعلا في الحياة قادرا على البناء والنماء والصّمود في حلبة التّنافس مع الآخرين، وتنمي لديه ملكات الإبداع والابتكار والاعتماد على النفس في مختلف جوانب الحياة" [مع الحركات الإسلامية في العالم: ص 107]. ومثل هذا المشروع كفيل بتهيئة وضعها لمعالجة الاختلالات الكبيرة التي تتخبط فيها منذ مدة.

والتي من أبرزها: علاقة الدعوي بالسياسيّ، حيث أنّ التحليل السّاذج الذي يروّج له بعض مسيريها، يحمّل هذا الملّف مسؤولية التراجع والضعف والانكماش الذي تعاني منه حركاتهم، وفي المقابل يبشّر بانتعاش بمجرد تحقّق هذا الفصل الآلي بينهما. وزاد هذه الفكرة توهّجا ما حدث في تونس من طرف حركة النهضة في مؤتمرها الأخير، ولا يخرج هذا عن المعالجات الساذجة - والسخيفة ربما - من طرف هؤلاء المسيرين لكثير من القضايا الهامة والاستراتيجية، كفكرة أنّ الانتقال للمعارضة بدل المشاركة ستردّ لحركة مجتمع السلم شعبيتها أو قليلا منها، ولكنّها لم تغيّر من وضعها شيئا، هذا إن لم تكن قد أضرّت بها، خاصة أن انضمام حمس إلى هيئات معارضة وهمية قزّم من حجمها، وصادر حرية قرارها، وحاصر تحركاتها ومبادرتها؛ لتنتهي بعد ذلك إلى طلاق بالثلاث. والسبب هو سذاجة الفكرة التي انطلقت منها. فالأمر أعمق بكثير من هذا التّحليل السّطحيّ. وكذلكم الحال في قضية السّياسيّ والدّعويّ. الأمر أكبر من قرار بفصل تنظيمي إداريّ؛ لأنّ الخلل في هذه القضية خلل على مستوى التّصوّر قبل أن يكون خللا هيكليّا.

وهذا الخلل يرجع أساسا إلى نقطتين ضمرتا كليّا أو شبه كليّ من أدبيات الحركة الإسلامية في الجزائر في العقود الأخيرة، وكان لضمورهما أثر ظاهر في نفوس أفرادها وفي سياساتها. النقطة الأولى: هي ضمور المهمة الأساسية التي قامت الحركة الإسلامية لأدائها، والتي هي مسوّغ وجودها، وسرّ التفاف الشعب والقوى الحية منه حولها، هذه المهمة التي عبّر عنها الإمام حسن البنا رحمه الله أكثر الأئمة المجددين تأثيرا في الحركة الإسلامية المعاصرة بقوله: "ما مهمتنا؟.. أمّا إجمالا: فهي أن نقف في وجه هذه الموجة الطاغية من مدنية المادة، وحضارات المتع والشهوات، التي جرفت الشعوب الإسلامية، فأبعدتها عن زعامة النّبيّ وهداية القرآن، وحرمت العالم من أنوار هديها، وأخرت تقدمه مئات السنين، حتى تنحسر عن أرضنا ويبرأ من بلائها قومنا، ولسنا واقفين عند هذا الحدّ بل سنلاحقها في أرضها، وسنغزوها في عقر دارها، حتى يهتف العالم كلّه باسم النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وتوقن الدنيا كلّها بتعاليم القرآن، وينتشر ظل الإسلام الوارف على الأرض، وحينئذ يتحقق للمسلم ما ينشده، فلا تكون فتنة ويكون الدّين كلّه لله، و{للهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} (الروم:5)".ولا يخفى وضوح هذه المهمة وقوتها، والتي لا تتحقّق إلّا بمشروع حضاري كالذي ألمحنا إليه سابقا. كما لا يخفى غياب هذه المهمة عن ثقافة وأدبيات وخطاب وقناعات ونشاطات وسياسات الحركة الإسلامية مؤخرا. وهذا يفسر ضعف تأثيرها وحضورها؛ لأنّها لم تعدّ تمثل في كلّ ذلكاستجابة لاحتياجات المجتمع الجزائري، ولا تساير التغيرات الجذرية التي تعصف به، ولا طموحاته وأماله. لقد أدّى هذا الضمور والخلل إلى تغلّب النشاط السّياسيّ الحزبيّ على كلّ المناشط الأخرى، رغم أنّ العمل السياسيّ الأصل أن يكون جزءا من كلّ لا الكلّ في الكلّ كما هو واقع. الأصل فيه أن يكون وسيلة لتحقيق الغاية الكبرى التي جاءت الحركة الإسلامية لتحقيقها وتجسيدها، لا أن يتحوّل هو إلى غاية يُضحّى في سبيلها بكلّ الغايات والأهداف، وتجب مراجعة هذه الوضعية مراجعة جذرية ترجع إلى جذور المشكلة لا إلى قشورها، وجذورها فكرية تصورية وليست تنظيمية. إلّا أنّ الظاهر أن مسيري الحركة الإسلامية لم يتنبهوا لهذا الأمر؛ ولهذا نجدهم يتحدثون عن تحقيق التوازن بين الدّعوي والسّياسيّ أو الفصل بين الدّعوي والسّياسيّ، في الوقت الذي يتطلّب الأمر تحقيق أولوية الدّعوي والحضاريّ على السياسيّ، واستقلال الدعوي عن السياسي، بل ردّ كلّ من الدعويّ والسياسيّ إلى حجمه ومرتبته الطبيعية. وهذا أمرّ يتعدّى قدرات المسيرين الحاليين للحركة الإسلامية في المنظور القريب.

وأمّا النقطة الثانية الضامرة في مسيرة الحركة الإسلامية، فهي الوحدة والتعاون، وأتكلم على الوحدة والتعاون الحقيقيتين، لا مهرجانات الوحدة الانتخابية التي نعيشها بين الفصائل الإسلامية هذه الأيام تمهيدا للانتخابات المقبلة. فالأصل أنّ الحركة الإسلامية أنشئت من أول يوم لتوحد جهود الخيرين والصالحين لما فيه خير البلاد والعباد، كما يوضح ذلك الإمام العلامة البشير الإبراهيمي -عليه شآبيب الرحمة- حيث يقول: "ولكن المصلحين ... لم يكونوا يقصدون من هذه الجمعية، من يوم تصوّروها فكرة إلى يوم أبرزوها حقيقة واقعة، إلّا غرضًا واحدًا وهو جمع القوى الموزعة من العلماء على اختلاف حظوظهم في العلم، لتتعاون على خدمة الدّين الإسلاميّ واللّغة العربية والنّهوض بالأمة الجزائريّة من طريقهما".[الآثار: 1/186]. وهذا ما فشلت فيه الحركة الإسلامية في الجزائر فشلا ذريعا، منذ أن أجهض مشروع رابطة الدعوة، مرورا بانفجار الفيس، وصولا إلى تشظيات النهضة وحمس.وفاقد الشّيء لا يعطيه ضرورة!، فهؤلاء فشلوا في توحيد صفوفهم فكيف لهم أن يوحّدوا كلّ مكونات الشعب الجزائري؟!، بل هم عجزوا عن المحافظة على وحدة الموحّد من تنظيماتهم فأنّى لهم توحيد المفرّق من توجهات الجزائريين؟!، هذا في العلاقة بين الإسلاميين فيما بينهم، أمّا في العلاقة مع الآخر فيصدق عليهم قول الأستاذ الغنوشي: "إنّ الحركة الإسلامية تفننت في كسب الأعداء". وليس مردّ هذا قطعا الفكرة الكبيرة التي تحملها بل النفوس الصغيرة لمن يسيرها!.... يتبع

يوسف نواسة

لا يوجد تعليق

تعليق

التفاعل بدون حسابي :

الاسم :*
البريد الإلكتروني :*
النص :*

عدد الأحرف المتبقية 500

مجموع 0 و 7 يساوي :*

التفاعل مع حسابي :

ليس لديك حساب ؟ يمكنك الاشتراك مجانا

اسم المستخدم :*
كلمة المرور :*

الأخبار بالفيديو

القائمة

جلول : "تركت كل أموالي وثروتي التي جنيتها من الغناء وتخليت عنها .. وهكذا عوضني الله خيراً"

نشر في :00:56 | 2018-05-23

حلقة مثيرة من الكاميرا الخفية "ردوا بالكم" .. وأحداث مفاجئة على المباشر !!

نشر في :12:42 | 2018-05-22

حلقة قنبلة من الكاميرا الخفية ردو بالكم.. شاهدوا ماذا حدث؟!

نشر في :22:13 | 2018-05-20

ردة فعل غير متوقعة من زوجة وسيم في الكاميرا الخفية "ردو بالكم" ماذا حدث ؟! .. شاهدوا:


أعمدة البلاد