Scroll To Top

الحركة الإسلامية في الجزائر في مفترق الطّرق: مراجعة جذرية أو تبدّد كارثي!! (الحلقة الرابعة)

ستبقى الحركة الإسلامية في الجزائر -وفي غيرها- في تراجع مستمر، وفي هبوطها المتواصل مادام موقفها من تقبّل النّقد والمراجعة ما زال ثابتًا

المشاهدات : 340
0
آخر تحديث : 15:16 | 2017-04-11
الكاتب : يوسف نواسة


 ستبقى الحركة الإسلامية في الجزائر -وفي غيرها- في تراجع مستمر، وفي هبوطها المتواصل مادام موقفها من تقبّل النّقد والمراجعة ما زال ثابتًا، وما دام حساسيتها ما تزال مفرطة لكلّ نقد يوجه إليها، وكما ذكرت سابقا: من الصعب جدا تجاوز هذه الحالة خاصة بوجود (قيادات) ضعيفة، تخشى على تموقعهاـ وترى النقد استهدافا شخصيّا لذواتها، كنسخة مصغّرة للحكام العرب الذين يرون كلّ معارضة سياسية استهدافا شخصيّا ومؤامرة دولية حول ذواتهم المقدسة. وبوجود ما يسميه الأستاذ صلاح الدين الجورشي (الجهاز التبريري) الذي يتصدّى لأيّ محاولة تجديد وإصلاح ونقد. ويتكفّل بتبرئة الحركة من كلّ نقيصة ولو كانت ظاهرة، وبتجريم العالم كلّه، وخاصة من يتجرّأ على نقد ممارساتها وممارسة قياداتها تحديدا. ويملك عصاه السحرية التي تخلب ألباب مناضليها: الحركة المباركة، المحفوظة بحفظ الله، ودماء الشهداء، وإخلاص المؤسسين، وما جمعته يد الله لا تفرقه يد الشيطان (رغم أنّهم تفرّقوا مرّات عدة، وما زالوا يتفرقون عند كلّ مناسبة فيها منصب أو مكسب)، كما له قوالبه الجاهزة لإسكات أيّ ناطق بغير ماتشتهيه القيادة والمناضلين المستكينين للمسارات والواقع: هؤلاء المنتقدون ماذا قدّموا؟، ليرجع هؤلاء إلى أحيائهم ويظهروا ..؟، كفانًا تنظيرا نريد اقتراحات عملية!.... إلى آخر هذه القوالب اللّفظية التي قد تسكت النقد، ولكنّها لا توقف التّدهور والتّراجع!.
   قد يقول قائل: أكثرت الكلام على النّقد وأعطيته أكثر مما يستحق؟. والحقيقة أني تقصّدت ذلك؛ لأنّي أرى أنّه العقدة الرئيسية والأولى التي إن لم تحل فلن تحلّ غيرها من العقد، فلن ننتظر إصلاحا حقيقيّا وتغييرًا جذريّا في الحركة الإسلامية في الجزائر ما لم تأخذ حركة النّقد مداها وتبلغ غايتها. وكلّ الجهود الإصلاحية التي تتجاوزها إلى غيرها من المشاكل والاختلالات والإخفاقات ستتكسر على صخرة (الجهاز التّبريري) الصُّلبة!.وإن كان موقف الحركة الإسلامية من النّقد غريبا وطريفا نوعا ما!، ففي الوقت الذي ترى النقد الموجّه إليها جريمة وكبيرة، وهو مغرض ومؤامرة من أعداء الدّاخل والخارج، تبني هي أطروحاتها ومواقفها على نقد الآخر: فردا ومجتمعا ودولة وعالما، "فالفرد مقصّر في التزامه وانضباطه وقوة إيمانه، ومقبل على الدّنيا مدبر عن الآخرة، وضعيف في قيامه بالفرائض والنوافل. أمّا المجتمع فتؤكد الحركة انحرافاته العامة ... أمّا الدولة فهي المسؤولة عن كلّ ذلك"، [ثغرات في طريق الحركة الإسلامية: ص 57] وأمّا العالم بكلّ مكوناته فهو قائد المؤامرة الكونية!!.
ولا يختلف اثنان مع ذلك في أنّ الحركة الإسلامية في الجزائر فقدت زخمها وحضورها وفعاليتها، إلّا بعض (مُسييرهاومنتسبيها) الذين لا يزالون يرددون أنّ الحركة الإسلامية هي الحاملة لأحلام الشّعب الجزائري، وهي المـُمثلة له، وهي التي ستحقق طموحاته، وهي مناط ثقته، وهي أمله في المستقبل!.ولا أدري هل يعيش هؤلاء المسيّرون لتشكيلات الحركة الإسلامية في الجزائر مع الشّعب أم يعيشون في مكان آخر؟!.وكان الأولى بهم من هذه النّرجسية المفرطة أن يسألوا أنفسهم: كيف ينظر إلينا الشعب الجزائريّ؟، كيف يقيّمنا وما قيمتنا عنده؟، هل ما يزال الشعب الجزائريّ -أو غالبيته- ترى الحلّ في يد الحركة الإسلامية وفي طرحها؟، هل ما يزال يثق في من يمثلونها؟،  
والحقيقة أنّه لا ينتظر من هؤلاء المسيرين غير هذه النرجسية والعدائية لكلّ نقد أو محاولة إصلاح، فهم لم يصلوا إلى هذه المناصب القيادية إلّا بعد استفراغ الحركة من الكفاءات وخلوّ الجو لهم؛ ولذا كان من المؤكّد أنّ مسيري الحركات الإسلامية الحالية هم أعتى العقبات في طريق تجددها واستردادها لمكانتها على الساحة الدعوية والسياسية، فإنّ منطق الأشياء يقول: إنّ من فرّقوا الحركة الإسلامية ومزّقوها شرّ ممزق لا ينتظر منهم أن يوحّدوها، ولا أن يوحدّوا الشعب الجزائريّ. والذين ساروا بها من نكسة إلى نكبة ومن انكسار إلى انحدار لا يمكن لهم أن يرتفعوا بها ويرتقوا بمكانتها ويُعلوا رايتها من جديد. وبالتّالي فأولى الأولويات هي تجاوز هؤلاء المسيرين في طرحهم وتسييرهم وأشخاصهم، وإلّا فسيبقون عقبات كأداء في طريق الإصلاح والنّهوض.
ثمّ تأتي قضية ثانية هي في بادي الرأي واضحة بيّنة، ولكنّ عدم الانتباه إليها وعدم الاهتمام بها محيّر!.فبعد ثورات الرّبيع العربي التي أُجهضت عن طريق انقلابات الدّولة العميقة، وبالتّدخل الدّولي السّافر المعلن والخفيّ، تبيّن أنّ منهج وطرق ووسائل التّغيير المعتمدة من طرف الحركات الإسلامية وغيرها من الفعاليات التي تسعى للتّغيير في العالم الإسلاميّ غير فعّالة، ولن توصل للمطلوب. وهذا واضح جدا في الحالة المصرية، فإذا تجاوزنا الأخطاء التي وقع فيها الإخوان المسلمون وغيرهم من تشكيلات الثورة المصرية، سنجد أنّ جماعة الإخوان في مصر كانت تمتلك كلّ مقومات تحقيق التغيير، تراكمت عبر عقود من النّضال، وصلت بها إلى رئاسة الجمهورية والحكومة والبرلمان بأغلبية مريحة فيه، مع حضور قوي في الشارع المصري دعويّا وجمعويّا واجتماعيّا وإعلاميّا، وكوادر مؤهّلة في مختلف التّخصصات والمجالات، ورجال أعمال يمثّلون قوة اقتصادية لا بأس بها، وشخصيات وطنية لها وزنها، وقوة شبابية ضاربة، ومؤسسات إعلامية نشطة وفعّالة، إلّا أن كلّ هذا لم يغنِ شيئا، حيث كان للعوامل الخارجيّة من دعم أمريكيّ أوربيّ ثم خليجيّ الأثر الحاسم في القضية المصرية، وها هم الإخوان يعيشون محنة من أشدّ المحن التي مرّت بهم، بل يتعرّضون لإبادة معنوية ومادية أمام سمع العالم ومباركته، كان الله لهم.
   إنّ ما حدث في مصر واليمن وسوريا وليبيا والعراق يطرح بجد قضية منهجية التّغيير، ويدلّ دلالة قوية على أنّ مقاربة التّغيير ومنهجيته التّقليدية وصلت إلى نفق مسدود، ويفضح سذاجة ما تقوم به الحركة الإسلامية الآن من نشاطات وفعاليات، ويفضح سذاجة التّصوّر الذي تتبنّاه ويتبنّاه مسيروها. ومع أنّ عدم تحقيقها للأهداف الكبيرة التي تستهدفها يدلّ قبل ذلك على أنّ ثمة خللا ونقصا فيما تقوم به، وفشلا يشاهده الجميع ويشهد به، وينكره المسيرون الفاشلون والمناضلون الغافلون، وكان المفروض والمنتظر أن يتوجّه النّقاش إلى هذه القضية الحساسة والحاسمة لعلّ وعسى أن يتمخّض ذلك عن خريطة طريق للانطلاق من جديد، ولكن المنطق السّائد عند عموم الإسلاميين يمنع من ذلك، ويأتي بعشرات (التّبريرات) لكلّ انكسار وفشل وانحدار؛ ليتحوّل الأمر إلى مدح وتمجيد للصّابرين على هذا الوضع البئيس بالثبات والصّدق!، وإدانة للمنتفضين في وجهه بإثارة الفتنة والتساقط على طريق الدّعوة!، وتبقى الحال على ما هي عليه!.
   إنّ التغيير إنّما يبدأ من الفكر، "فالمعجزات الكبرى في التاريخ مرتبطة دائماً بالأفكار الدّافعة" كما يقول بن نبي رحمه الله، والحركة الإسلامية في الجزائر -للأسف- رصيدها من إنتاج الأفكار خالٍ تماما، وهي تفتقر كليّة للمفكرين والعلماء والكتاب والأدباء والإعلاميين، وهي غائبة غيابًا شبه تام من دوائر التّأثير، ومن فضاءات وسيعة في المجتمع .... إلخ، فلا تنتظر بعد ذلك أكثر من حجمها الحالي، لكن من المهم الذي قد يساعد في حلحلت وضعها الحالي هو فتح نقاش جاد وصادق ونقد حاد وعميق حول وضعها ومسارها ومصيرها، والعمل على بلورة تصوّر جديد للإصلاح والتّغيير في ضوء المتغيرات المتسارعة والمستجدات المتوالية، وتفهّم أعمق للتّطوّرات الحاصلة للمجتمع الجزائريّ، وقراءة حذرة وعميقة لنتائج الربيع العربيّ وما أبرزه من تكافل وتحالف دوليين في وجه أيّ تغيير حقيقيّ يغيّر توجهات دول المنطقة.أمّا الإصرار على الإبقاء على نفس الأفكار والتصورات والنشاطات والممارسات فلن ينتج إلّا نفس النتائج!. وعلى كلّ التّغيير في الواقع يسبقه تغيّر في الذهنيات والقناعات؛ فالفكرة تسبق الفعل، والنظرية تسبق التّطبيق.

يوسف نواسة

لا يوجد تعليق

تعليق

التفاعل بدون حسابي :

الاسم :*
البريد الإلكتروني :*
النص :*

عدد الأحرف المتبقية 500

مجموع 4 و 8 يساوي :*

التفاعل مع حسابي :

ليس لديك حساب ؟ يمكنك الاشتراك مجانا

اسم المستخدم :*
كلمة المرور :*

الأخبار بالفيديو

القائمة

برومو "لقاء الأسبوع" مع وزير الأشغال العمومية و النقل عبد الغني زعلان .. هذا الأحد عبر قناة البلاد على الساعة 21:00

نشر في :16:44 | 2018-01-06

"بلا قيود" مع " حسين نسيب " وزير الموارد المائية

نشر في :14:55 | 2018-01-01

روراوة يخرج عن صمته .. ويتحدث لأول مرة عبر "قناة البلاد"

نشر في :10:59 | 2017-12-30

"بلا قيود" مع عبد الوهاب دربال رئيس الهيئة المستقلة العليا لمراقبة الانتخابات


أعمدة البلاد