Scroll To Top

"مهنة الموت” تحصد آلاف العمال وتشرد عائلاتهم!

الحوادث.. انعدام التأمين والأمراض ثالوث الخطر المحدق بهم

المشاهدات : 1704
0
آخر تحديث : 21:41 | 2017-09-12
الكاتب : استطلاع: سعاد بوربيــع

أرباب العمل يهرعون لتأمين العمال بعد موتهم ”بأثر رجعي”

أرامل يلعقون مرارة الحياة بعد تعرض أزواجهم لحوادث مميتة

السيليكوز، الحساسية والصم أهم الأمراض التي تهدد صحتهم

 

حين تقابل ضحايا حوادث العمل بمنشآت البناء تجد أن الكل ناقم على الوضع المزري الذي وصل إليه حال ضحايا هذه الحوادث وعائلاتهم، فالكثير من ضحايا الحوادث الذين ينجون، يتعرضون لإصابات بالغة وحالات شلل تمنعهم من مواصلة حياتهم اليومية، بل ويتركون عائلاتهم دون معيل ولا مبلغ شهري يقيهم حاجة السؤال، حيث لا يستفيد ملايين العمال بقطاع البناء إلى غاية الآن من الحماية الاجتماعية، في ظل تهرب العديد من أرباب العمل من دفع تكاليف التأمين بسبب الجشع لتحقيق هامش ربح أكثر.

هذا الوضع اضطر الكثير من هؤلاء إلى التقاعد المبكر نتيجة الإصابة بأمراض أهمها الصم، الحساسية وآلام الظهر، ولهذا فعادة ما يصف هؤلاء مكان العمل بـ" ورشات الموت”، حيث يدخلون إليها سالمين فيخرجون منها محملين في ”نعش” أو معاقين إثر سقوطهم من الطوابق العليا في ظل غياب تطبيق ”الترسانة ” القانونية التي وضعها المشرع الجزائري لحماية هذه الفئة من العمال.

"البلاد” رصدت أهم انشغالات هذه الشريحة التي تعاني من مشاكل جمة في العمل، أهمها انعدام التأمين ووسائل الوقاية والأمن وبحثت في الضمانات التي يقدما أرباب العمل لهؤلاء. 

تسجل الجزائر في الآونة الأخيرة حوادث تخلف عشرات الضحايا في كل ورشة بناء، حيث شهدت العديد من الولايات حوادث عمل مميتة، فمثلا تم تسجيل أكثر من 10 حوادث عمل، بولاية الجلفة لوحدها الشهر الماضي، منها 3 حوادث أودت بحياة أصحابها. والغريب أن جل العمال الذين تعرضوا للحوادث اكتشفوا أنهم غير مصرح بهم لدى مصالح الضمان الاجتماعي، لتكشف الحوادث تهرب أرباب العمل، كما توفي قبل شهرين شاب في الثلاثينيات من العمر بعد صراع مع المرض دام عشرة أيام، على إثر سقوطه من عمارة قيد الانجاز تابعة لإحدى المقاولات المكلفة بإنجاز عمارات سكنية بحي بربيح بمدينة الجلفة، لتعرضه لإصابات بليغة على مستوى الرأس والنخاع الشوكي.

فيما سجلت ورشة أخرى سقوط عامل ومصرعه في عين المكان نتيجة غياب مقومات الأمان والسلامة في تلك الورشات، ليلحق بهم نهاية أوت الماضي عامل بناء فقد حياته فور ارتطام جسده بالأرض نتيجة سقوطه من الطابق الرابع، وهو الأمر الذي لم تتحرك أية جهة حياله، خاصة وأن جميع الحالات اكتشف أنها غير مؤمنة، والأكثر من ذلك أن أرباب الورشات يهرعون إلى تأمين عمالهم بعد تعرضهم للحادث من أجل تفادي العقوبات القانونية، حيث يبدأون رحلة تأمين العامل ”بأثر رجعي”، أي بعد مماتهم أو تعرضهم للحادث خوفا من دخولهم أروقة المحاكم. في حين تبقى الكثير من العائلات تعاني من تملص أرباب العمل من دفع التكاليف لتبدأ رحلة معاناة طويلة.

حسناء: زوجي لم يتمكن حتى من رؤية ابنه الصغير

تعيش حسناء من ولاية المدية حالة مزرية بعد وفاة زوجها إثر حادث عمل، حيث كان هذا الأخير يعمل بمجال البناء في إحدى المنشآت الخاصة قبل أن يسقط من الطابق الثالث، ما أدى إلى كسور في جسده وإصابة بليغة على مستوى الدماغ أدت إلى وفاته بعد ساعات من ذلك.

تقول حسناء وهي متحسرة على الظروف التي مات فيها زوجها ”حين سقط زوجي في ذلك الحادث كان ابني الأصغر عمره يومين فقط، ولم يتسن لوالده رؤيته، فقد وعدني يومها بأنه سيكمل العمل ويأتي إلينا محملا بالهدايا..”

سكتت حسناء عن الكلام لكن ملامح وجهها الكئيبة كانت لا تزال تريد قول الكثير، حول السعادة التي ضاعت من هذه العائلة والمعاناة التي تعيشها اليوم بتحمل مسؤولية أولادها دون معيل لهم، اكتفت حسناء بقول كلمة واحدة لكن معانيها كانت كثيرة ”أنا ناقمة على العمل الذي أخذه، وتركنا قفة دون يدين”.

معاناة حسناء بدأت بعد وفاة زوجها الذي ترك لها طفلين، ولم يترك لها حتى منزل يأويها، فحسناء اليوم تعيش مع أمها وأخيها في غرفة واحدة، وتنفق على أطفالها من عائدات عمل المطلوع والخياطة.

والد كريم: في لمح البصر وجدت نفسي متكفلا بعائلة من 4 أطفال

قد ينجو البعض من الحوادث المميتة التي يتعرضون لها في منشآت البناء، لكن أغلبهم يعانون من تبعاتها، فوالد كريم البالغ من العمر 70 عاما وجد نفسه متكفلا بعائلة من أربعة أطفال بعد أن تعرض ابنه إلى إصابة بليغة في الدماغ، أدت إلى شلل كلي، يضيف عمي أحمد الذي حدثنا ويداه ترتجف من أثر المرض والكبر البادية على وجهه ”ابني كان دائما يعمل عند الخواص، ولطالما نصحته بالبحث عن عمل يكون أكثر أمانا، لكنه كان يرد عليا بقوله ”الله غالب”، وقدر الله أن يتعرض لحادث سقوط أدى إلى شلل أقعده الفراش”.

عمي أحمد صارحنا بأنه يشعر بالأسف مرتين، الأولى على ابنه الذي بات يراه مقعدا بعدما كان بكامل صحته، والثانية على حال أطفاله الأربعة ومستقبلهم بعدما انعدم دخلهم، حيث أصبح المبلغ الذي يتقاضاه عمي احمد كمعاش، هو المصدر الوحيد لدخل هذه العائلة”.

في ظل انعدام التكفل الاجتماعي: من يتحمل تكاليف الحوادث؟!

في ظل تزايد حوادث العمل في قطاع البناء، يتزايد معها تبادل الاتهامات حول المتسببين في ذلك، حيث عادة ما يفسر أرباب العمل تلك الإصابات التي يتعرض لها العمال بأنها نتيجة لقلة انتباههم وإهمالهم تارة أخرى. فيما يرجعها العمال إلى عدم توفر ظروف العمل الآمنة والتي أجبرتهم ظروف الحياة على قبولها.

يقول بلال وهو عامل بناء بإحدى المنشآت الخاصة ”شهدت على الكثير من الحوادث خلال عملي، راح ضحيتها شباب في مقتبل العمر، حلموا بمناصب عمل توفر لهم ولعائلاتهم العيش الكريم، هذا العمل فيه الكثير من المخاطر، نحن لا ندري متى نترك عائلاتنا دون مصدر رزق”. و يضيف عمي عبد الله، صاحب 50 سنة ”في بداية عملي بهذه المهنة، كنت شغوفا بها وكنت أستطيع أن أكفل عائلتي الصغيرة والكبيرة معا، لهذا لم أهتم أو أدرك ضرورة وجود التأمين، لكن مع كبر سني أصبحت لا استطيع القيام بالكثير من الأعمال الشاقة، أنا نادم لأنني لم أطالب بحقوقي الاجتماعية من أرباب العمل في بداية هذا العمل”.

أمراض فتاكة تهدد عمال البناء

في وقت تتجه الأنظار إلى توفير الأمن ووسائل الحماية لعمال البناء، يواجه العاملون في القطاع أمراضا مهنية قد تقضي على مشوارهم المهني على رأسها الصم والبحة و«السيليكوز” (وهو مرض رئوي ناتج عن التعرض لكميات كبيرة من الغبار). يقول سليم الذي لم يعد يستطيع الاستغناء عن العديد من الأدوية الخاصة بالحساسية وضعف السمع والضعف الرئوي ”يلومنا الكثير من الناس أننا لا نطالب بالتأمين، لكن لا يعرف هؤلاء أننا لم نجد خيارا غير ذلك لهذا العمل الشاق، إنها حرفتي الوحيدة، لكنني شخصيا تخليت عنها منذ سنوات وذلك حين تعرضت لحادث عمل، وبقيت في الفراش مدة شهرين، لم يكلف صاحب العمل نفسه بالتعويض، فقد اتصل بي مرتين وبعث لي قفة شفقة”.

ويضيف السعيد وهو في الخمسينيات من العمر ”أحترف مهنة البناء لمدة تزيد عن 20 سنة، المهنة شاقة للغاية وقد كلفتني صحتي، أعاني من الحساسية والربو، كما أعاني من آلام في ظهري نتيجة تعرضي لإصابة منذ سنوات، لكنني أواصل العمل فليس لي مصدر رزق آخر وأرباب العمل يرفضون تأميننا”.


 

المحامي: لخميسي عثامنية:

تأمين العمال وتوفير وسائـل الحمايــة والوقايـــة لمصلحـة رب العمـل

 

صرح المحامي لخميسي عثامنية، لـ«البلاد”، أن أرباب العمل الذين يتملصون من تأمين العمال يقعون في خطأ فادح، كون التأمين مفيد لأرباب العمل بالدرجة الأولى، مضيفا أن هؤلاء يتحملون تعويضات كبيرة في حال تعرض العمال لحوادث عمل من إصابات أو وفيات، منها دفع تعويض مادي عن الحادث وتعويضات لأهل الضحية في حال وفاته، إضافة إلى توفير دخل مستمر مدى الحياة في حال عدم قدرة العامل على الاستمرار في العمل وضمان كل المستلزمات التي يستحقها المريض أو المعاق، كتوفير مساعد وسيارة للضحية، كما يستفيد العامل من تعويضات في حال أثبت طبيب مختص، إصابته بأمراض مهنية، وكل هذه التعويضات تخضع قيمتها للسلطة التقديرية للقاضي حسب طبيعة العمل.

 وأضاف لخميسي أن المشرع الجزائري، أخذ بعين الاعتبار كل حقوق العامل الجزائري، مضيفا ”كل مستخدم ملزم بتأمين عماله بشكل فوري، بمجرد حصول موافقة العامل على شروط العمل والراتب”، وتحدث الأستاذ لخميسي عن العقوبات الجزائية الصارمة التي يفرضها القانون على أرباب العمل الذين يخلون بالقانون، في أروقة المحاكم، إضافة إلى الغرامات المالية التي يقرها الصندوق الوطني للتأمينات الاجتماعية.

وعن دور الرقابة في ظل تهرب الكثير من أرباب العمل من حماية عمالهم، يقول الخبير القانوني إن مفتشية العمل هي الهيئة المخولة قانونيا بمراقبة مدى تطبيق الشروط التي ينص عليها قانون العمل، لكن يضيف المتحدث ”الأمر يتعلق بوعي العمال بحد ذاتهم ، والذين عادة ما يقبلون بشروط مهينة للعمل، كعدم التأمين وغياب شروط النظافة والوقاية وفي بعض الأحيان يقبلون براتب يقل عن الحد الأدنى للأجور التي يفرضها قانون العمل الجزائري، وكل هذا لتفادي البطالة”.

ولهذا فإن وعي العمال بحقوقهم من جهة وتحمل أرباب العمل لمسؤولياتهم وتطبيقهم لقانون العمل من جهة أخرى يعتبر الحل الأمثل للتقليل من هذه الحوادث التي باتت تهدم آلاف العائلات الجزائريات.

لا يوجد تعليق

تعليق

التفاعل بدون حسابي :

الاسم :*
البريد الإلكتروني :*
النص :*

عدد الأحرف المتبقية 500

مجموع 0 و 7 يساوي :*

التفاعل مع حسابي :

ليس لديك حساب ؟ يمكنك الاشتراك مجانا

اسم المستخدم :*
كلمة المرور :*

الأخبار بالفيديو

القائمة

"بلا قيود" مع الأمين العام لحزب الأرندي أحمد أويحيى

نشر في :07:23 | 2017-11-08

الحلقة الأولى من برنامج "صنعوا الحدث" مع الجنرال المتقاعد محمد شيباني

نشر في :07:28 | 2017-11-07

البلاد اليوم : تجار يستبقون قانون المالية بإشعال الأسعار

نشر في :07:23 | 2017-11-05

البلاد اليوم : أسبوع على إنطلاق حملة المحليات ..برودة و كوميديا !


أعمدة البلاد