من أشعل الشرارة... في القَرارة؟

نبرأ إليك ـ ربّنا ـ مما فعل السفهاء تحت أيّ غطاء، وضمن دائرة أيّ انتماء، أولئك الذين صنعوا الإثارة، وأشعلوا الشرارة، وفتنوا القرارة...

المشاهدات : 335
0
آخر تحديث : 07:41 | 2013-12-08
الكاتب : د. عبد الرزاق قسوم

نبرأ إليك ـ ربّنا ـ مما فعل السفهاء تحت أيّ غطاء، وضمن دائرة أيّ انتماء، أولئك الذين صنعوا الإثارة، وأشعلوا الشرارة، وفتنوا القرارة.

   ألا تبًا، لمن هدّموا الدّيار، وأحرقوا محلات التجار، وروّعوا الآمنين من الصغار والكبار، باسم النعرة الطائفية، والعصبية العرقية، والفتنة المذهبية!

   شُلّت يمين كلّ من فكّر، ودبّر، ونفّر، فشوّه وجه الواحة الهادئة الخصيبة، وقدّم عنها صورة قبيحة غريبة، وهي المدينة الصالحة الإصلاحية، التي يتساكن فيها الإباضيون مع المالكية!

   أكلّ هذا بسبب الترويض والرياضة؟ ألا فلتسقط الرياضة إذا حادت عن هدفها الأصيل، وصارت مدعاة فتنة واضطراب وأداة هدم وخراب، ووسيلة صِدام وحِراب!.

   تالله لقد صدمتنا، أحداث الشرارة التي أعادت إلى أذهاننا أحداث يريان سيئة الذكر، وكنا نظن أنّ الجميع قد اتعظّ بمأساتها، وحفظ الدرس من ويلاتها!.

   إنّ الذي حدث في القَرارة، وبريان وغيرهما من أنحاء الوطن، إنّما هو إدانة لنا جميعًا؛ إدانة لمنظومتنا التربوية التي فشلت في تكوين جيل محصَّ بصدق الانتماء، مزوّد بأخلاق المواطنين الشرفاء، وسليل المجاهدين العلماء والشهداء، وإنّه لنذير فشل لمنظومتنا الدينية بمساجدها، وعُبَّادها، بعلمائها ونبلائها، بزواياها، وخباياها، فقد اخفق الجميع، في صناعة فكر ديني، معصوم من الغواية، ومطعّم ضدّ البلايا، حامٍ للوطن من كلّ الرزايا.

   أفي عصر تكتل غير المسلمين في مجموعات تُزال بينها الحدود، وتُرفع أمام مواطنيها كلّ القيود، ويُتجاوز فيها عن كلّ بقايا وآثار الحروب، ومأساوية العهود، وهي التي لا رابطة دينية بينها، ولا وحدة لغوية تربطها، ولا إيديولوجية فكرية توّحدها؟.

   أفي هذا العصر بالذات، يسود في بلادنا الإسلامية، وفي أقطارنا الوطنية، وهي التي يوّحدها الدين المكين، ويجمعها التاريخ المتين، ويربطها اللسان العربي المبين، يسودها العنف بجميع أشكاله، ويمزقها الظلم بشتّى ألوانه، ويعمّها القتل بويلاته وأشجانه؟.

   إنّها مأساة، تستنطق ضمائر كلّ حرّ فينا، وتُملي على كلّ مسؤول منّا، كيفما كان موقعه من المسؤولية وجوب القيام بعمل وقائي لتحصين الذات ضدّ الآفات. فالهشاشة التي يعانيها جسم وعقل المواطن عندنا تجعله قابلا لإحداث كلّ شَغَب تحت أيّة ذريعة... وما أكثر الذرائع في مجتمعنا...

   إنّها دعوة إلى العلماء الأوفياء، والمجاهدين النبلاء، والمواطنين الشرفاء، والمثقفين الأصفياء كي يُجمعوا أمرهم، فيعملوا على بناء سدّ منيع ضدّ الآفات الفكرية المقيتة، وخاصة منها النعرات الطائفية، والدعوات العنصرية، والعصبيات الجهوية، التي ما عشعشت في أذهاننا إلا في غياب الفهم الصحيح للدين، والممارسة السليمة الوطنية، وزوال فقه المواطنة المثالية، وهي كلّها نوافذ الفتنة التي حدثت في بريان، وفي القرارة، وفي غيرها من أنحاء الوطن.

إنّنا نهيب ـ على الخصوص ـ بعلماء المالكية، وعلماء الإباضية، بأن يشدّوا الوثاق بينهم، فيفوّتوا على الصائدين في الماء العكر، والمتربصين بوحدة الوطن، فرصة إحداث مثل هذه الفتن التي إن حدثت قضت على الأخضر واليابس. كما نهيب بالسلطات المعنية، كلٌّ من موقع مسؤوليته إلى ضرورة القيام بالعمل التوعوي، حيث يجب القيام به، وإلى الضرب بيد من حديد على أيدي العابثين بمكاسب الوطن، وأمن المواطنين.

   وإلى القائمين على الشأن الرياضي في بلادنا، بأن يعيدوا النظر في هذه المنظومة بإخضاعها لدّقة التنظيم، وحسن التكفل بأنصارها، وتوعية الجميع بأنّ الرياضة في كلّ العلوم، وبكلّ اللغات إنّما تعني أدب الاختلاف، وسعة العقل، وخلق التسامح، بالمنافسة الشريفة، وقبول الهزيمة في الملعب، التي لا تفسد الشارع.

   حذار ـ إذن ـ فإنّ هذه الأعراض، وتراكمها إن هي لم تؤخذ بعين الجدّ والاعتبار، توشك أن تتحوّل إلى ظاهرة إحراق، تمتد آثارها إلى كلّ أنحاء الوطن ـ لا قدر الله ـ.

   فليتناد الخيّرون في هذا الوطن، بعد نبذ كلّ ذاتية، وكلّ انتماء ضيق، لينخرطوا في توليفة الوطن الأكبر، بجميع مكوناته ومقوماته، فيعيدوا إلى المنظومات الدينية والتربوية، والاجتماعية، والحزبية، مضامينها الحقيقية، حتى تتمكن كلّ منظومة في مجالها الخاص، والمجال العام من أداء واجبها الديني والمدني أحسن أداء.

أرى بين الضلوع وميض نار   ويوشك أن يكون لها ضِرام

   فربّ  ضارّة نافعة، وعسى أن تكون مأساة القرارة منبها يوقظ الضمائر، ويعمّق الشعائر، ويحصّن الأحرار والحرائر ضدّ كلّ وباء قارٍ أو عابر، وما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.

 

 

 

 

لا يوجد تعليق

تعليق

التفاعل بدون حسابي :

الاسم :*
البريد الإلكتروني :*
النص :*

عدد الأحرف المتبقية 500

مجموع 5 و 0 يساوي :*

التفاعل مع حسابي :

ليس لديك حساب ؟ يمكنك الاشتراك مجانا

اسم المستخدم :*
كلمة المرور :*

الأخبار بالفيديو

القائمة

يعطيكم الصحة يا أبطال .. شرفتم الجزائر

نشر في :02:16 | 2014-06-22

‫”وان تو ثري”‬ .. الجزائر بـ "رباعية تاريخية" في شباك الكوريين

نشر في :23:22 | 2014-06-16

أول هدف لـ "الخضر" بالمونديال منذ 28 سنة

نشر في :16:03 | 2014-04-17

الرئيس بوتفليقة خارج مركز الاقتراع

الاستفتاءات

تصويتات أخرى

الافتتاحية

الأرشيف

محاكمة الوظيف العمومي

الوظيف العمومي في بلادنا بحاجة إلى محاكمة حقيقية، لأنه سمح بمرور أو تمرير قوانين “عنصرية”، فرّقت بين الجزائريين..

تفاصيل

أعمدة البلاد