Scroll To Top

أحزان الغوطة..

أهالي الغوطة يضرعون إلى الله.. إذ لا يجدون ملاذا غيره..

المشاهدات : 137
0
آخر تحديث : 20:06 | 2018-03-02
الكاتب : عيسى جرادي

عرت المأساة السورية العالم برمته.. كما لم تعره مأساة أخرى في هذه الألفية وما قبلها.. وكشفت عن أقبح وجه لهذا العالم المعجون بالنفاق والغطرسة.. لا يشبهه إلا وجه الشيطان كما نتخيله بشاعة وسوادا.. عالم تنعدم فيه أبسط المشاعر التي تحث وحشا في الغابة على قتل فريسته برحمة.. لكنها لا تمنع وحشا بشريا من التنكيل بضحيته.. خنقا بالغاز السام.. وقصفا بالبراميل المجنونة وراجمات الصواريخ وقذائف الدبابات.. أو حصارا يدوم لسنوات يتخلله التجويع والترويع وقطع كل أسباب الحياة.

 في كل لحظة وفي كل ساعة تنهمر الحمم المجنونة على رؤوس أربع مائة ألف محاصر من الأطفال والنساء والشيوخ ومن لا حول لهم ولا قوة.. وكبار العالم كصغاره لا يأبهون للأمر.. كأن من تهد على رؤوسهم البيوت وتقطع أوصالهم.. ليسوا من بني آدم.. بل هم من جنس الحشرات المحكوم عليها بالإبادة.. وكأن قرارات مجلس الأمن الدولي ليست للتنفيذ.. بل تصدر لتحلية الجلسات.. وإطلاقا ليد الجاني تمعن في إبادة الضحية.

أتساءل.. وهؤلاء المظلومون يصلون الليل بالنهار في الأٌقبية.. هربا من الموت القادم من كل مكان: ماذا يأكلون ويشربون؟ كيف ينامون والموت يتخطفهم الواحد تلوالآخر؟ كيف يرون العالم الذي غدر بهم؟ ماذا يقولون في العرب الذين أسلموهم للوحش الطائفي يفتك بهم؟ وماذا عن أمة المليار ونصف المليار التي لا تحس ولا ترى ولا تسمع؟

إن تراجيديا "الغوطة الشرقية " جمعت الأحزان كلها في مكان واحد.. وهي فصل في مسلسل طويل وعريض من الإبادة التي تجتمع على تنفيذها قوى الشر.. تحت عنوان مكافحة الإرهاب.. بينما من يسقط ليس سوى مواطن سوري.. انتفض في وجه الديكتاتورية الطائفية فكان نصيبه هذا التكالب الدولي على تحقيره وتسليمه وتدميره.. ما يصيب الغوطة الآن يعيد إلى الأذهان مشاهد الهجوم الكيماوي الفظيع الذي تعرضت له.. وانتهى باستشهاد أزيد من ألف وأربع مائة بريء.. لا تزال صور معاناتهم وتشنجاتهم قبل إسلام الروح ماثلة للعيان.. فلم يحمل ذلك أمريكا على تنفيذ وعيد "أوباما" بقصف مرتكب الجريمة.. حيث جعل استعمال هذا السلاح خطا أحمر.. فسقط الخط الأحمر.. وذهب أوباما.. ولا يزال القاتل يمارس هوايته الدموية.. بالكيماوي وبالحارق والخارق.. مشفوعا بفيتوبوتين.. أحد أكبر مجرمي الحرب المعاصرين.

مأساة الغوطة لم تبدأ اليوم فقط.. وليست من صنع سفاح واحد.. بل هم أكثر من طرف.. فإيران التي تحولت إلى مجرم مطلق السراح.. تجر معها عشرات الميليشيات الطائفية مصاصة الدماء.. تريد إحياء أمجاد "آل ساسان" على حساب السوريين.. كما فعلت قبل ذلك بدم العراقيين وتفعل الآن بدم اليمنيين.. فهي التي توفر الميليشيا والعساكر والخبراء للنظام السوري كي يمعن في القتل والتشريد والتهجير.. وتغيير ديموغرافيا سوريا نهائيا.. وروسيا ليست سوى آخر مستعمر يفد إلى المنطقة بعتاده وجنوده.. ليحصل على قطعة من الكعكة المضمخة بالدم.. فوفر له بشار الفرصة التي أراد وأكثر.. والعرب الذين صموا آذانهم عن سماع أصوات المحاصرين.. وتحولوا إلى مجرد أبواق تنفخ فيهم قوى الشر العالمية.. ومنحوا القاتل الروسي والإيراني والمليشياوي صكا على بياض لممارسة العربدة والمجون.. وبعضهم انقلب على نفسه.. فبدل أن يواجه إيران المعتدية والمتوسعة.. راح يحاصر قطرا عربيا آخر.. وبعضهم خط لنفسه وظيفة السمسار العالمي.. يقبض ويتوارى.. وبالكاد تجد عربيا يحتفظ ببعض النخوة القديمة.. لينتفض من أجل أطفال الغوطة الجوعى والحزانى.

مع كل ما يحدث من جرائم موصوفة وإبادة على المكشوف.. لا يصل أسماعنا في أحسن الأحوال سوى بعض التنديد والترجي.. وعندما تدوس روسيا على قرار مجلس الأمن وتعيد ترجمته على هواها.. وتفتعل أوضاعا على الأرض لا يتحرك أحد.. ثمة آلاف من الجرحى ينتظرون الإجلاء.. ومئات الآلاف من الأفواه الجوعى تنتظر طعاما لا يصل إليها أبدا.. ويوجد الكثير من الخوف.. والموت النازل من السماء والمنبعث من الأرض لا يوفر أحدا.. بل هوالدور يأتي على هذا قبل أن ينتقل إلى ذاك.

 في مأساة الغوطة تحول التدليس الممارس بوقاحة من إعلام وساسة النظام وإيران وروسيا.. إلى خبز يطبخ يوميا.. لتتناوله وسائل الإعلام العالمية وتعيد نشره.. ونسمع الكثير من الكذب الذي لا ينطلي على أحد.. فالضحية هي الجاني والمقتول هوالقاتل.. والمحاصر عنوة في الأٌقبية هومن يطلق النار على العاصمة دمشق.. والجائع الذي لا يجد ما يأكل هومن يمنع قوافل الإغاثة من دخول الغوطة.. ومن لا يجد متسعا في الزمان والمكان لدفن ضحاياه وهم بالمئات.. هومن يروع المدنيين ويزرع الخوف في قلوب الآمنين.

أشد من المأساة أن تتحول إلى ملهاة.. يتفرج عليها العالم وهو يضحك بداخله.. ولا تفلح بعض الأصوات التي تتألم لمشاهد الخراب والدمار الذي لا يستثني بشرا ولا حجرا ولا شجرا.. ممن يملكون القدرة على كبح جماح مصاصي الدماء وشياطين الأرض....في ثني هذا العالم المجنون على مواصلة جنونه.. أصوات لا تصل إلى حيث يجب يبلغ صداها.. بل تتلاشى حتى قبل أن يتلقفها الميكرفون.

أهالي الغوطة يضرعون إلى الله.. إذ لا يجدون ملاذا غيره.. يشكون إليه أحزانهم وبثهم.. والله سبحانه وتعالى يدفع الناس بالناس.. وحسابه الأخير كما سننه في الأرض.. مؤسسة على قاعدة أن التاريخ يكتبه الإنسان وليس غيره.. وأما ما يضيع هنا فلا يضيع هناك.. ولأهل الغوطة الصبر.. كما لقوافل مرت من هذا الطريق قبل ذلك.. (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون).

لا يوجد تعليق

تعليق

التفاعل بدون حسابي :

الاسم :*
البريد الإلكتروني :*
النص :*

عدد الأحرف المتبقية 500

مجموع 0 و 8 يساوي :*

التفاعل مع حسابي :

ليس لديك حساب ؟ يمكنك الاشتراك مجانا

اسم المستخدم :*
كلمة المرور :*

الأخبار بالفيديو

القائمة

"بلا قيود" مع الناطق الرسمي باسم حزب الأرندي، صديق شهاب

نشر في :08:12 | 2018-11-10

العدد 01 من برنامج " قضية رقم مجهول " على قناة البلاد

نشر في :08:41 | 2018-10-30

"بلا قيود" مع عبد الغني زعلان وزير النقل والأشغال العمومية

نشر في :08:18 | 2018-10-14

"بلا قيود" مع أبو جرة سلطاني، رئيس المنتدى العالمي للوسطية


أعمدة البلاد