Scroll To Top

المعجِب في دروسِ الملعَب

بقلم: أ.د عبد الرّزاق قسوم

المشاهدات : 1755
0
آخر تحديث : 22:15 | 2016-02-26
الكاتب : د. عبد الرزاق قسوم

نادرًا ما يحدث أن أتابِع النّشاط الرّياضي المحلّي في بلادنا، فضلاً عن أن أناصر فريقًا جزائريًا محليًا على فريق آخر، ذلك لأنّني أتعجّب مما يحدث في الملعب، وأَعجب أكثر لسلوك الأقدام فيه، والجمهور الذي يأويه، والتعصّب الأعمى الذي يسيّرُه ويزكيه، والفساد المالي الذي يُصاحِب نواديه، ومسيّريه.

  غير أنّي أستثني من قاعدة العزوف عن المقابلات الرّياضية هذه، مقابلات الفريق الوطني، الذي تبرز فيه الوطنية بنشيدها، وتأيّيدها، على ما في الفريق الوطني من بلاوي، ورشاوي، واغتراب، واضطراب.

  ومن استثناء الاستثناء، المباراة الرّياضية بين الجزائر وفلسطين، التي حرّكت في القلب ما هو دفين، وأبرزت لنا، محنة شعبِ فلسطين، وما يلقاه على أيدي الصهاينة الغاصبين، فكانت مباراة الفريقين رمزية للمناضلين الصامدين، الفدائيين.

  فلسفة الأقدام في هذه المقابلة ـ إذن ـ خرجت عن المألوف، وأبرزت لنا وجه الجمهور الجزائري الأصيل المعروف.

  انتقلت الفرجة من ساحة اللّعب، إلى ساحة المدرّجات، فكانت الأهازيج، والأناشيد، وحتى المفرقعات، ابتهاجًا بالحدث الرّياضي، الذي انتصرت فيه سياسة التضامن على مظاهر التعصّب الأعمى والتغابن.

  فهل رأيتم فريقًا في العالم، يناصر الفريق الخصم على فريقه؟ ويبتهج لمنافِسِه أثناء تسجيله للهدف، وتسديده؟ أمن ضعف في وطنية الجزائري أو خيانة لمنهجية طريقه؟ لا معاذ الله! بل إنّ من الوطنية العميقة للجزائري أن يناصِر الفلسطيني في أرضه، ويُؤثِره على نفسه بأداءِ فرضه حفاظًا على عِرضه.

  إنّ مباراة المنتخب الأولمبي الجزائري، قد اختلفت شكلاً ومضمونًا في مواجهة المنتخب الفلسطيني.

ويهمّنا أن نُخضِع هذه التجربة الفريدة للتأمّل والتفكير، حتى نستخلص من ملعبها الدّرس الكبير، بل دروس السّير والمسير.

  من أهّم هذه الدّروس في ملعب الخامس من يوليو التركيز على ما يلي:

1 ـ إنّ المقابلة، طغت فيها الجوانب السياسية على الجوانب الرّياضية، وفي مقدِّمة ذلك الانتصار للقضية الفلسطينية.

2 ـ رمزية ملعب الخامس من يوليو، الذي يذكّرنا بتاريخ انعتاقنا وتحريرنا من رِبقة الاستعمار تيّمنا بما قد يحدث لشعبنا الفلسطيني في يوم نراه قريبًا، في ظلّ انتفاضة الخناجر التي لا تفرّق في التعبئة بين الأحرار الفلسطينيين والحرائر.

3 ـ وقوع المقابلة ـ غداة يوم الشّهيد ـ (18 فبراير) وفي ذلك من الوفاء للشّهداء، ما يحمل أكثر من دلالة في كلّ ميدان من ميادين العطاء والأداء.

4 ـ إنّ فريق المنتخب الفلسطيني، الذي يتشكّل من خريجي السّجون الإسرائيلية، ومخابئ المنفى، ومخيّمات اللاّجئين، يُذكّرنا في دفاعه عن قضية شعبِه العادِلة، بالفريق الوطني الجزائري الأوّل أثناء الثورة، حينما كان يتألّف من شبابٍ مؤمن بقضيته أثناء التحرير، فباع أقدامَه، وعقلَه، وبدنَه للقضية الجزائرية، مدافعًا عن علمِها في كلّ الملاعب العالمية.

5 ـ إنّ ما كان يدور على ساحة الملعب، هو صراعٌ بين المنهج الجزائري ـ في اللّعب ـ القائِم على الإيمان بالقضية العادِلة، ممثلاً في المدرِب السيد نور الدّين، ومن "التاكتيك" الفرنسي القائِم على المصلحة الماديّة، والكسب، ممثلاً في المدرِب الفرنسي السيد "شورمان".

  لذلك انتصر ـ على السّاحة ـ الإيمان بالقضية على المكاسِب الماديّة.

يُمكِن القول ـ إذن ـ إنّ الجزائر المؤمِنة بالقضية الفلسطينية، هي التي انتصرت على المكاسِب الفرنسية، في شخص الفلسطيني، الذي يحمِل جراح بدنِه وأمّته، والإيمان بوطنه وقضيّته.

لقد كنت أتمنّى ـ شخصيًا ـ أن يبقى الجمهور الجزائري وفيًا لفريقه، بالرّغم من المشاعِر الأخوية لفلسطين، لسببٍ بسيط، هو الحفاظ على معنويات شبابنا، من أبناء المنتخَب الأولمبي الجزائري الذين كانوا، هم أيضًا يُدافعون عن العلم الجزائري، والشعور الجزائري.

  كما تمنيتُ أن يحمِل اللاّعِب الفلسطيني على ظهر قميصه، اسم فلسطين بالعربية، ولو إلى جانب كتابة الاسم بالفرنسية، وحتّى الفريق الجزائري، لماذا غاب عن ظهرِ قميصه اسم الجزائر، هذه المرّة، وفي كلّ المرّات؟.

  ولا أدري إنْ كان النشيدان الوطني والفلسطيني قد عُزِفَا في بداية المقابلة، فإن كان ذلك قد وقع فإنّه إتمام للمشهد الرّائع، الذي قدّمه ملعب الخامس من يوليو، في هذه المناسبة، وإن لم يقدّم النّشيدان فيا خيبة المسعى!

وبعد! فقد انتصرت الجزائر على أكثر من صعيد، في مباراة فلسطين. والعِبرة بعموم المشهد لا بنتيجة المباراة.

  وهنا عادت بي الذاكرة إلى مقالٍ قديم كتبتُه على صفحات البصائر، مُقارنًا فيه فلسفة الأقلام، وسياسة الأقدام، وطغيان الأفلام. وقفزت إلى ذاكرتي "محنة المرجِعيّة العلمية والدّينية في الجزائر" بما يُغدَقُ على اللّعِب واللاّعبين وما يأخذه اللاّعب المدرّب، وما يُحرَمه العالِم المجرِّب، ما يأخُذه شورمان، ويُحرَمه آيت علجت وشيبان.

  ومهما يكن! فقد قدّم الجمهور الجزائري، درسًا بليغًا، للمسيّرين المحليّين، ولقادة العالم العربي، وكلّ الجماهير، في جديّة التعامل مع القضية الفلسطينية حتّى في ساحة الملعب كيْ يقتَدي الجميع بالموقف الجزائري.

ما اليوم يوم البائعين مِدادَهم

اليوم، يوم الباذلين دماء

فالصّامد القدسي يلقي درسه

قل للعروبة تُحسِن الإصغاء.

  هذه تأمّلات غير رياضية، وإن زعمتُ أنّها تعالِج قضية ريّاضية، عناصرها، اللاّعب، والملعب، والمدرّب... إلخ، وليعذر القارئ جهل الكاتب بالرّياضة، فما كتبتُه هنا لا يعدو أن يكونَ فيض مشاعر أوحَت بها مقابلة فلسطين والجزائر. وأفٍ "للبُفْ" على لغة الجماهير الشّعبِية.

  

لا يوجد تعليق

تعليق

التفاعل بدون حسابي :

الاسم :*
البريد الإلكتروني :*
النص :*

عدد الأحرف المتبقية 500

مجموع 2 و 7 يساوي :*

التفاعل مع حسابي :

ليس لديك حساب ؟ يمكنك الاشتراك مجانا

اسم المستخدم :*
كلمة المرور :*

الأخبار بالفيديو

القائمة

"بلا قيود" مع الناطق الرسمي باسم حزب الأرندي، صديق شهاب

نشر في :08:12 | 2018-11-10

العدد 01 من برنامج " قضية رقم مجهول " على قناة البلاد

نشر في :08:41 | 2018-10-30

"بلا قيود" مع عبد الغني زعلان وزير النقل والأشغال العمومية

نشر في :08:18 | 2018-10-14

"بلا قيود" مع أبو جرة سلطاني، رئيس المنتدى العالمي للوسطية


أعمدة البلاد