Scroll To Top

شهر الصيام.. ومرارة الانهزام

شهر الصيام، هو الذي تنتشي، وتنتعش من عبق أيامه أرواحنا، وتداوي بقيام لياليه أقراحنا، وأتراحنا، ويصفِّد شياطين إنسه وجنّه، إصلاحنا وصلاحنا.

المشاهدات : 97
0
آخر تحديث : 07:51 | 2016-06-04
الكاتب : د. عبد الرزاق قسوم

كنا نمني النفس، بحلول شهر رمضان الذي تشرئب إلى هلاله أعناقنا، وتحن إلى صيامه أذواقنا، وتأبى فراقه أخلاقنا.

فشهر الصيام، هو الذي تنتشي، وتنتعش من عبق أيامه أرواحنا، وتداوي بقيام لياليه أقراحنا، وأتراحنا،  ويصفِّد شياطين إنسه وجنّه، إصلاحنا وصلاحنا.

عشنا على هذا الأمل الروحي النبيل، فأعددنا لرمضان من الزاد الخلقي، والإعداد العمودي والأفقي، القسط الجزيل. لكن صادف حلول رمضان هذا العام، حلول العظائم من مصائب الهزائم..

 فبالإضافة إلى يوم أم الهزائم الخامس من يونيو، التي فتحت علينا نكبة انكسار الجيوش، وبروز تنظيمات الوحوش، ها هو الفكر الانهزامي العربي يستبد بالنفوس، ويسوّد ما ابيض من الطروس، ويقض فينا ما بقي من الخير القليل الملموس. فهذه نكبة الخامس من يونيو، تطل علينا بيومها المشؤوم، فتعمق فينا الجرح الدامي المركوم، وتعيد الإلقاء بنا في أتون الجزر العربي وما يحمله من أثقال المخازي والهموم.

إن أم الهزائم التي ولدت مع كشف عورات جيوشنا، وترويض جحوشنا ووحوشنا، قد وصمتنا بفكر الهزيمة، ووضع الأيدي على الخدود، والدعاء باللطيمة، والشماتة، والشتيمة.

فقد كنا نئن من هزيمة يونيو، الذي فضحت سترنا أمام أعدائنا، فإذا بنا نعاني اليوم هزيمة الشعوب، وعقدة المغلوب، وإشاعة الفكر المغضوب والمقلوب.

ساد لدينا القول الفاحش، والفعل الطائش، الذي يسلطه علينا الحشد الشعبي وتنظيم داعش. فالقتل يتم على المعتقد والهوية، والضرب يتم من تحت الحزام بسبب سوء الطوية.. فياللرزية!

عم يتقاتلون؟ وعلام يتصارعون؟ أليس العراقيون، والسوريون، والحوثيون، والإيرانيون جميعهم مسلمين؟

أليس الليبيون، والتونسيون، والمصريون والأفغانيون كلهم سنيين؟ فمتى كان المسلم يقتل أخاه المسلم، والقاتل والمقتول منهما بعد سل سيفه في النار؟

ومتى كان السني يقتل أخاه السني، وقد برئت منهما ـ بعد قتالهما لبعضهما ـ سنّة محمد الذي صاح فينا: “إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم محرمة عليكم كحرمة يومكم هذا (يوم الحج الأكبر)”؟

هذه ـ إذن ـ هي خارطة وطني العربي الجريح، وأمتي الإسلامية الغارقة في الفضيحة. فمن المسؤول عن هذه الجراح؟ ومن هو المطالب بتضميد الأقراح؟

هل يكتب لأمتي الإسلامية، وهي تستهل شهر النفحات الروحية، والسبحات الإيمانية أن تجعل من صوم الامتناع عن الشرب والأكل، مناسبة للكف عن الضرب والقتل؟ وهل يقبل الله صوم الصائم، مع كل ما يأتيه من البشاعة والجرائم؟

كيف نوفق بين هذه الازدواجية في الشخصية والثنائية، في ممارسة الاستبداد، والظلم، والأساليب القمعية؟

أنى يستقيم إيمان الصائم، وهو غارق في وحل القمع والتعذيب، وإلقاء البراميل على المواطن الأعزل البعيد والقريب؟ وهل يكون، احتسابا، من يصوم ويأمر بالسحل والقتل، ويتغاضى عن التعذيب والختل، ويستجير بالغريب عن الدار، للقضاء على طموح الشعب، في الاستقرار، والأمن، والعدل؟

إن أمتنا العربية الإسلامية، وهي تقبل على الصوم، هذه السنة، لترفع أكف الضراعة إلى الله، بعيون دامعة، وقلوب واجفة، وأيد راجفة، أن يبدل الله خوفها أمنا، وحربها سلما، وعذابها يُمنا.إنا من الصالحون المصلحون، ومنا العلماء العاملون، وفينا الناسكون المخلصون، والمجاهدون الصادقون،

فإذا توحدت جهود كل هؤلاء في أمتنا، وهم والحمد له كثر، فتتوحد صفوفهم، وتتناسق سيوفهم، سوف يهزمون الهزيمة، ويقضون على الفكرة اللئيمة.إن الهزيمة شر، وكل ما يصدر عنها ضعف لأنها تعتمد على السلوك المخل، وعلى الفاسد من القول والفعل، ولذلك فهزيمتها ممكنة جداً إذا اتحد الخير، وانتظم الحق، ووعي أصحاب الحق، والخير، دورهم وأجمعوا أمرهم.

فهل سيكون رمضان، هذه السنة شاهداً لنا لا علينا؟

وهل سيكون ذكرى الخامس من يونيو آخر مناسبة تذكرنا بالهزيمة، التي سنبني عليها انتصار النفس الصائمة، وقوة الحق، القائمة، والجموع المؤمنة المقاومة؟

نقول هذا، وكلنا وعي، بأن التحدي الذي نواجهه خطير، والأمر عسير، وتمزق الأمة شر مستطير، يتطلب منا العمل الكثير، ومن الإعداد والاستعداد المدد الغزير، فعسى أن يكون الصوم موقظاً لنا من نوم الغفلة والهزيمة؟

وعسى أن تكون الهزيمة، إيذاناً لنا، بضرورة الخروج من أهوال الجريمة، بقوة الإرادة وشدة الهزيمة؟

إنه نداء استغاثة، وصرخة استماتة نصعدها، من دماء القلوب الغاضبة، ومعاناة الجموع الواثبة، أن تستعيد أمتنا عافيتها بعد هذا الامتحان العسير، وأن يتوب القائمون على الأمر عندنا، بعد هذا التيه الكبير، والضلال الخطير.لقد اسود تاريخنا، وادلهم ليل مستقبلنا، ونحن على حافة السقوط في نهر القنوط.

فهل يأخذ الله بأيدينا إلى شاطئ الأمل، بعد تنظيم العمل؟

 وهل يوفقنا إلى حسن الفعال، بعد كل هذا التيه والضلال؟

نأمل ذلك، وإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. وهكذا يكون الصيام، خير علاج لوباء الانهزام. 

لا يوجد تعليق

تعليق

التفاعل بدون حسابي :

الاسم :*
البريد الإلكتروني :*
النص :*

عدد الأحرف المتبقية 500

مجموع 7 و 2 يساوي :*

التفاعل مع حسابي :

ليس لديك حساب ؟ يمكنك الاشتراك مجانا

اسم المستخدم :*
كلمة المرور :*

الأخبار بالفيديو

القائمة

برومو "لقاء الأسبوع" مع وزير الأشغال العمومية و النقل عبد الغني زعلان .. هذا الأحد عبر قناة البلاد على الساعة 21:00

نشر في :16:44 | 2018-01-06

"بلا قيود" مع " حسين نسيب " وزير الموارد المائية

نشر في :14:55 | 2018-01-01

روراوة يخرج عن صمته .. ويتحدث لأول مرة عبر "قناة البلاد"

نشر في :10:59 | 2017-12-30

"بلا قيود" مع عبد الوهاب دربال رئيس الهيئة المستقلة العليا لمراقبة الانتخابات


أعمدة البلاد