Scroll To Top

عيد النصر وأي نصر؟

"إيدك في إيدي، يا خويا، يا خويا في الوطن لكمتنا وحدة، واليد وحدة..."

المشاهدات : 405
0
آخر تحديث : 21:01 | 2018-03-23
الكاتب : د. عبد الرزاق قسوم

في هذه الأيام، وبلادي الجزائر، تحتفل بذكرى عيد النصر، عادت بي الذاكرة إلى عقود من الزمن خلت، كنا نعاني فيها هول الحرب، ونعيش قيم الحب.

كانت الحرب، بويلاتها، وآلامها، وبظلمها وقمعها، دافعة إلى إشاعة الحب بين الجزائريين بدءًا بحب الله في أسمى معانيه، وانتهاء بحب الوطن ومواطنيه، وحب الجزائري لأخيه.

إنّ الذين عاشوا تلك الحقبة الجليلة والجميلة، بآلامها، وآمالها، ليذكرون للثورة الجزائرية، عبقريتها، في توحيد كل فئات الشعب، على النبض بالثورة، أطفالا وشبابا، نساء ورجالا، كهولا وشيوخا.

فالأمثال الشعبية، والأهازيج الفنية، والأناشيد المدرسية، كانت كلها تعزف على وقع الكراهية للعدو، والإعداد والاستعداد للانخراط في الثورة على جميع مستوياتها.

إنّ مما يحفظه أطفال مدرسة الهداية، بحي القبة، وقد أصبحوا اليوم رجالا ونساء، النشيد الذي استلهم مبناه ومعناه، من نشيد صوت العرب، هو الذي يقول: "إيدك في إيدي، يا خويا، يا خويا في الوطن لكمتنا وحدة، واليد وحدة..."

  وإنّ مما يحفظه أطفال مدرسة السنية بحي مراد رايس، والذين صاروا اليوم رجالا ونساء، نشيد الإعداد والاستعداد، للثورة، والذي كان يؤدى بلحن حماسي جميل ومؤثر، تقول كلماته:

يوم نُدعى للجهاد ** نصبح الجند الشداد

ونؤدي للبلاد ** كل حق مخلصين

                    ***

قد حملت البندقية **  ولها عندي مزية

فهي في الخطب بلية ** تقتل الخصم المبين

                    ***

وأنا الساعي بنفسي ** في حمى الأعداء أمسي

يرهب الأعداء حسي ** وليَ الإقدام دين

 

وإنّ مما كان يحفظه أطفال وبنات مدرسة الفتح بمدينتي "المغير" قصيدة الشاعر الفلسطيني، إبراهيم طوقان التي يقول فيها:

كفكف دموعك ليس ينفعك البكاء ولا العويل

وانهض ولا تشكُو الزمان فما شكا إلا الكسول

واسلك بهمتك السبيل ولا تقل كيف السبيل

ما ضاع ذو أمل، سعى يوما ـ وحكمته الدليل

إلى أن يقول الشاعر الفلسطيني:

وطن يباع ويشترى، وتصيح فليحيا الوطـــن

لو كنت تبغى حقه لبذلت من دمك الثمــن

ولَقُمتَ تطلب حظه لو كنت من أهل الفطن

أسوق هذه النماذج كلها، لأدلل بها على المناخ الوطني الذي كان سائدا آنذاك في جميع أنحاء الجزائر، شمالا وجنوبا، وفي كامل أحياء مدنها، وهي عينة من الجو العام، الذي يعكسه التعليم آنذاك، رغم التضييق والقمع الذي كان مسلطا على التعليم العربي من العدو.

إنّ هذا الحماس الذي كان سائدا، والذي غمر كل أبناء وبنات الجزائر خلال الثورة، هو الذي انعكس حبا، وتضامنا بينهم، فسادت كلمة أخي و أختي من جميع المواطنين.

إنّ الذين لم يعيشوا عصر الثورة داخل الجزائر، ما كان لهم أن يدركوا أي شعب كان يمثله الشعب الجزائري، وأية قيم كان يتحلى بها، من تضامن، وحب، وحماية للبعض، حتى إنّ البعض كان يقول يومها إنّ الشعب الجزائري، خلال الثورة، بتعلقه بالإسلام، وبالوطن، يذكرنا بعصر الصحابة في نصرة الإسلام، والدفاع عن بيضته، مع الفرق المهم، وهو أنّ الصحابة كانوا على عهد بالقرآن، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم يستلهمون منهما كل معاني القوة، والصمود.

  وانقضت عهود عديدة على سنين الجهاد والجمر، فماذا صنعنا بهذه الثورة العملاقة المجيدة؟ وما مدى الوفاء لمبادئها وقيمها ورموزها؟

إنه ليحز في قلوبنا، ما نراه من ردة وخيانة وتنكر لكل تلك القيم.

لقد انقلبت الموازين، واختلطت المفاهيم، فتقدم الصفوف الأمامية في عهد الاستقلال، المجاهدون "الطايوان" الذين لا يكادون يفقهون للجهاد معنى، فلم يكتووا بناره، ولم يصطلوا بأواره، لكن تمتعوا بمكاسبه وآثاره.

  فإذ نحتفل اليوم بعيد النصر، فماذا نحن قائلون للمجاهدين الحقيقيين، وللشهداء الخالدين؟ ماذا فعلنا بتراثهم؟ وكم وفّينا لتضحياتهم؟

ولننظر من حولنا، فماذا نحن مشاهدون؟ إنّ الفساد قد عم وإنّ العنف قد طَمْ.

ماذا نقول لوالد الطفل البريء الذي اختُطف وقُتل، وقُطِّع إربا، إربا؟ بأي ذنب قُتل؟

وماذا نقول لأسرة الطالبة الجامعية التي اختطفت وقُطعت أجزاء، ورُمي كل جزء منها في ناحية مجهولة؟

لماذا لم نحمِ كل هؤلاء وأمثالهم، من هذه الوحوش البشرية التي تعيش بيننا في عيد النصر؟

 فإذا كان الخليفة العادل الفاروق عمر ابن الخطاب، يقول: لو عثرت بغلة في العراق لخفتُ أن يسألني عنها ربي يوم القيامة: لماذا لم تسوِّ لها الطريق يا عمر؟

فيا قومنا! إنّ الاحتفال بعيد النصر وبعيد الاستقلال لا يكون بالتغاريد والزغاريد والأناشيد، وإنما يكون بمحاسبة النفس، بدءًا بمحاسبة المسؤولين وانتهاء بمحاسبة المواطنين.

  ويكون الاحتفال بالقيام بعملية النقد الذاتي، وسؤال النفس: هل أنا حقا وفي لهذه الثورة العظيمة؟ وهل ما اكتسبته منها هو كسب حلال مستحق؟

ينبغي أن توضع الموازين اليوم بالقسط "لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ" (سورة الأنفال: 42)؛ وإلا فإننا نخشى أن ينطبق علينا قول الرئيس معمر القذافي، غفر الله له، حين قال لنا وفي تلفيزيوننا الجزائري: "إنها الثورة الجزائرية، ثورة عظيمة، ولكنكم قزمتموها".

رب ضارة نافعة، وكما يقول الشاعر:

فرحم الله الذي أبكاني

    لكن إلى الخيرات قد هداني

وخاب من أضحكني بالباطل

     وقادني لسبل الرذائل

وإذن، جميل أن نحيي عيد النصر، وأن نحيطه بالصخب، والطرب، ولكن الأهم من كل هذا، هو أن نقتلع شجرة فساد من مقبرة الثورة، وأن نغرس بدلها شجرة زيتون، ونخلة، ووردة، تخليدا لمعاني وقيم الشهداء، كنوع من الأداء والوفاء، فذلك أحسن أنواع الاحتفال بالنصر، وأعظم تخليد لمعنى النصر، وأي نصر؟!

لا يوجد تعليق

تعليق

التفاعل بدون حسابي :

الاسم :*
البريد الإلكتروني :*
النص :*

عدد الأحرف المتبقية 500

مجموع 6 و 4 يساوي :*

التفاعل مع حسابي :

ليس لديك حساب ؟ يمكنك الاشتراك مجانا

اسم المستخدم :*
كلمة المرور :*

الأخبار بالفيديو

القائمة

جلول : "تركت كل أموالي وثروتي التي جنيتها من الغناء وتخليت عنها .. وهكذا عوضني الله خيراً"

نشر في :00:56 | 2018-05-23

حلقة مثيرة من الكاميرا الخفية "ردوا بالكم" .. وأحداث مفاجئة على المباشر !!

نشر في :12:42 | 2018-05-22

حلقة قنبلة من الكاميرا الخفية ردو بالكم.. شاهدوا ماذا حدث؟!

نشر في :22:13 | 2018-05-20

ردة فعل غير متوقعة من زوجة وسيم في الكاميرا الخفية "ردو بالكم" ماذا حدث ؟! .. شاهدوا:


أعمدة البلاد