أشرف وزير الصحة، محمد صديق آيت مسعودان، اليوم الثلاثاء بمدرج الوزارة "بيار شولي"، على الإطلاق الرسمي للمرجع الوطني للتجهيزات الصحية، في خطوة استراتيجية تندرج ضمن مساعي الوزارة الرامية إلى عصرنة تسيير التجهيزات الصحية، وتوحيد معايير تحديد الاحتياجات واقتناء المعدات الطبية، وترشيد النفقات العمومية، بما يضمن تحسين جودة الخدمات الصحية وتعزيز التكفل بالمريض.
وجرى هذا الإطلاق بحضور رئيس لجنة الصحة والشؤون الاجتماعية والعمل والتضامن الوطني بمجلس الأمة، البروفيسور حبيب دواقي، إلى جانب ممثلي الهيئات والمؤسسات الوطنية، ومديري الصحة والسكان للولايات، ومديري المؤسسات الصحية، وخبراء وأساتذة ومهندسي الطب الحيوي والفيزياء الطبية.
وفي كلمته بالمناسبة، أكد وزير الصحة أن إطلاق هذا المرجع يمثل سابقة وطنية وخطوة نوعية في مسار إصلاح المنظومة الصحية، باعتباره أداة استراتيجية تتجاوز مجرد حصر التجهيزات إلى إرساء تخطيط مبني على أسس علمية وتقنية، يسمح بتقييم الاحتياجات الفعلية للمؤسسات الصحية، وترشيد الاستثمارات العمومية، وتوحيد معايير اتخاذ القرار على المستوى الوطني.
وأشار الوزير إلى أن إعداد هذا المرجع جاء ثمرة عمل علمي وتقني جماعي أشرفت عليه المديرية العامة للصيدلة والتجهيزات الصحية، بمساهمة خبراء وممارسين من مختلف التخصصات، ومهندسي الطب الحيوي والفيزياء الطبية، وكفاءات مختصة، معربًا عن تقديره لمساهماتهم في إعداد هذه الأداة المرجعية التي من شأنها إرساء مقاربة موحدة في تسيير التجهيزات الصحية.
وفي هذا السياق، أوضح وزير الصحة أن المرجع يشمل 38 تخصصًا طبيًا وثمانية أقطاب تقنية عرضية، ويضم 716 نوعًا من التجهيزات الصحية و1403 استعمالات، مع تحديد التجهيزات المطلوبة لكل تخصص ولكل مستوى من مستويات الرعاية، فضلًا عن ضبط متطلبات تركيبها وتشغيلها وصيانتها.
كما أشار إلى أن المرجع يعتمد أربعة مستويات للرعاية، تُصنّف التجهيزات ضمنها إلى إلزامية أو موصى بها أو غير ملائمة، بما يضمن توافقها مع طبيعة كل مؤسسة صحية ومهامها ومستوى الرعاية الذي تقدمه، وقدرتها على استغلال هذه التجهيزات وصيانتها.
وفي معرض حديثه عن ترشيد النفقات العمومية، أبرز الوزير أهمية اعتماد التكلفة الإجمالية للتجهيز طوال دورة حياته، بما يشمل التركيب والصيانة وقطع الغيار والمواد الاستهلاكية والتكوين، مؤكدًا أن هذه المقاربة تسمح بالانتقال من مجرد الاستجابة لطلبات الاقتناء إلى تقييم الاحتياجات وتبريرها وفق معايير علمية وتقنية واضحة، تراعي خصوصيات كل مؤسسة صحية.
وفي إطار تعزيز الحوكمة وتحسين آليات التسيير، أكد وزير الصحة أن إطلاق المرجع الوطني يندرج ضمن رؤية متكاملة تقوم على التكامل بين التنظيم المؤسساتي والرقمنة وتوحيد الإجراءات، بما يضمن وضوح المسؤوليات وتعزيز التنسيق بين مختلف مستويات التسيير.
كما أشار إلى أن صدور القرار الوزاري رقم 11 المؤرخ في 28 جوان 2026، المحدد لتنظيم وكيفيات سير الجهاز الوطني لتسيير ومتابعة وتقييم التجهيزات الصحية، يشكل خطوة أساسية نحو إرساء إطار تنظيمي متكامل لتسيير حظيرة التجهيزات الصحية ومتابعتها وتقييمها.
وأوضح الوزير أن هذا الجهاز يقوم على ثلاثة مستويات متكاملة، تتمثل في لجان التجهيزات على مستوى المؤسسات الصحية، ومديريات الصحة والسكان للولايات، واللجنة الوطنية لتسيير ومتابعة التجهيزات الصحية، بما يسمح بتقييم وضعية الحظيرة، وتحديد الاحتياجات وتجميعها وترتيبها، ومتابعة عمليات الصيانة وعقودها، وضمان انسجام القرارات مع الأولويات الوطنية.
ولدى تطرقه إلى رقمنة تسيير التجهيزات الصحية، أكد الوزير أن منصة متابعة وصيانة التجهيزات الصحية «SMES» بلغت نسبة تشغيلها 100 بالمائة، وأصبحت أداة محورية لتوحيد البيانات ومتابعة الوضعية التشغيلية للتجهيزات وأعطالها وتدخلات صيانتها وعقودها.
كما أوضح أن هذه المنصة تتيح بناء أطلس وطني محيّن للتجهيزات الصحية وإعداد خريطة لتوزيعها وحالتها التشغيلية، بما يساعد على تحديد مناطق العجز والاختلالات، ويوفر معطيات دقيقة لدعم إعداد الخريطة الصحية الوطنية وربط توزيع الإمكانات بالاحتياجات الصحية الفعلية للسكان.
وفي هذا الصدد، شدد وزير الصحة على أن الرقمنة لا تقتصر على تحويل الوثائق الورقية إلى بيانات إلكترونية، بل تمثل وسيلة أساسية لتطوير التسيير ودعم اتخاذ القرار استنادًا إلى معطيات دقيقة ومحيّنة، مؤكدًا أن التحيين المنتظم للبيانات من طرف المؤسسات الصحية يشكل مسؤولية أساسية لضمان فعالية هذه المنظومة.
ومن جهة أخرى، أبرز الوزير أهمية تأطير دورة حياة التجهيزات الصحية، من خلال اعتماد معايير موضوعية لتقييمها واستبدالها، تراعي سلامة المرضى واستمرارية الخدمات الصحية وحماية المال العام.
وأوضح في هذا الإطار أن عملية استبدال التجهيزات الطبية بالمؤسسات العمومية للصحة تستند إلى معايير تشمل السلامة والمطابقة، والعمر التشغيلي، وحالة الجاهزية، وتكاليف الصيانة، وحجم النشاط، وإمكانية توفير بديل، بما يضمن أن تكون قرارات الاستبدال مبنية على تقييم موضوعي ومبررات واضحة وموثقة، بعيدًا عن الاعتبارات الظرفية التي قد تؤثر على سلامة المرضى واستمرارية التكفل بهم.
كما أشار وزير الصحة إلى أن المنظومة ستتعزز بإصدار التعليمة المتعلقة بتقدير الاحتياجات من التجهيزات الصحية، التي ستعتمد المرجع الوطني أساسًا موحدًا لإعداد طلبات الاقتناء ودراستها وترتيبها، من خلال مقارنة التجهيزات المتوفرة فعليًا بما ينبغي أن تمتلكه كل مؤسسة، وفق مهامها ومستوى الرعاية الذي تقدمه.
وأكد أن هذه العملية ستستند إلى المعايير العلمية والتقنية المعتمدة وتوصيات منظمة الصحة العالمية والهيئات الدولية المختصة، مع مراعاة خصوصيات النظام الصحي الوطني، والعبء المرضي، والكثافة السكانية، وجاهزية البنية التحتية، وتوفر الموارد البشرية، والجدوى الاقتصادية.
وفي هذا السياق، شدد الوزير على أن اعتماد هذه المقاربة من شأنه جعل قرارات الاقتناء أكثر دقة وموضوعية، وتوجيه الاستثمارات نحو سد الفجوات الحقيقية وترتيب الأولويات وفق أثرها المباشر في تحسين التكفل بالمريض، بما يعزز العدالة في توزيع الموارد الصحية ويرفع مردودية الإنفاق العمومي.
وفي ختام كلمته، أكد وزير الصحة أن إطلاق المرجع الوطني للتجهيزات الصحية يمثل بداية مرحلة جديدة تتطلب تضافر جهود جميع الفاعلين، معلنًا مواصلة الوزارة تحيين هذا المرجع وتطويره بالتعاون مع الخبراء والمهنيين، ومرافقة المؤسسات الصحية في تطبيقه من خلال التكوين والدعم وتبادل الخبرات.
كما دعا مختلف المؤسسات الصحية إلى الالتزام بتحيين بياناتها، وتحديد احتياجاتها وتبريرها بدقة، واحترام الإجراءات المعتمدة، والتحلي بروح المسؤولية والشفافية، مشيرًا إلى أن نجاح هذا المشروع لا يُقاس بمجرد إطلاق أدواته، بل بمدى انعكاسه الفعلي على جودة الخدمات الصحية وحسن استغلال الموارد.
ومن جهته، أشاد رئيس لجنة الصحة والشؤون الاجتماعية والعمل والتضامن الوطني بمجلس الأمة، البروفيسور حبيب دواقي، بالقفزة النوعية التي يشهدها قطاع الصحة، مثمنًا الجهود المبذولة تحت إشراف السيد وزير الصحة، البروفيسور محمد صديق آيت مسعودان، في سبيل تحديث المنظومة الصحية وتعزيز آليات الحوكمة ، لاسيما من خلال اعتماد أدوات مرجعية وتنظيمية ورقمية حديثة من شأنها الارتقاء بأداء المؤسسات الصحية وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.