حكايات تدمي القلوب من مستشفى الأمراض العقلية بالبليدة

"البلاد" تكتشف قصصا غريبة أبطالها يقبعون وراء أسوار المستشفى

تعبيرية
تعبيرية

-الفتاة التي عاشت وماتت في المصحة بسبب ذنب لم تقترفه!

 

- طبيبة نفسية بالمدرسة تقود تلميذة للجنون.. وطالب جامعي يجن بسبب المخدرات

 

- "عيب وعار"... حجة تتخلى بها عائلات عن مرضاها حتى بعد الشفاء!

 

يطلق المجتمع حكم "مجنون" على كل من يبيت ليلة بمستشفى الأمراض العقلية، بل يعتبرونه فردا منبوذا في المجتمع، رغم أن الأطباء يؤكدون أنه مثل باقي الأمراض العضوية قد يُشفى منه الإنسان إن وجد العلاج والدعم العائلي، "البلاد" رصدت واقع بعض المرضى، وكيف علقوا بين جدران المستشفى بعدما كانوا يعيشون حياة طبيعية مثل بقية الجزائريين.

 

روبورتاج: سعاد بوربيع

 

هكذا فقدت فطيمة عقلها وهي بنت 22 سنة!

 

لم ترو لنا فطيمة حكاية دخولها بنفسها للمصحة ليس لأنها رفضت، لكنها فارقت الحياة منذ عامين بمستشفى البليدة، ورغم ذلك لا يزال يتذكرها الطاقم الطبي وحتى المريضات، حيث يتحدث هؤلاء عن طيبتها وأخلاقها، فتقول الممرضة حياة "عندما أحضروها هنا كانت فطيمة بنت 22 سنة، فتاة جميلة وحنونة، لكن تنتابها نوبات قلق حادة، وحسبما عرفناه فيما بعد أنها تزوجت بابن خالتها"، وهنا تضيف الممرضة "لكن ليلة الزفاف انتحرت خالتها المريضة عقليا بإقدامها على حرق نفسها أمام موكب العرس، وهو ما جعلها تتوهم رؤية أشباح في كل مكان لم تعد تغادر مخيلتها".

وتواصل الممرضة كريمة الحكاية "في البداية كانت تدخل  للمستشفى لفترات فقط وتخرج برفقة زوجها الذي كان دائما يزورها، حيث أنجبت طفلة بعد 7 سنوات من العلاج، لكن حالتها تدهورت بعدما أهملها زوجها، وتأكدت أنه أخفى عليها أمر زواجه كل هذا الوقت، حينها عادت التخيلات تسكن عقلها ودخلت المستشفى بصفة دائمة تاركة ابنتها أمانة لأختها، وذات جمعة من سبتمبر عام 2014 توقف قلبها عن الخفقان للأبد فقد توفيت فطيمة بسبب أزمة قلبية".  

 

عندما غابت الأم وغابت المدرسة.. فقدت سهام عقلها

 

بخطى ثابتة وكلمات متزنة لا توحي أبدا أن من تحدثك تحمل صفة "مريضة عقليا"، قابلتنا سهام وهي بنت 30 عاما، لتحكي لنا عن القصة التي جعلتها حبيسة جدران مستشفى البليدة "كنت مراهقة حين تطلق والداي، حيث تزوج كل منهما للمرة الثانية، في حين بقيت أنا عند بيت خالي وجدتي، كنت ألبس أغلى الملابس وكانت أمي تزورني من حين لآخر بينما لم أر أبي أبدا"، ورغم طلاق والديها واصلت سهام دراستها حتى المرحلة الثانوية، لكن حدث ما لم يكن في الحسبان، تقول سهام "كنت في 15 من عمري وكنت وقتها مراهقة، فقد توفيت والدتي ولم يكن أحد يهتم بما أحب أو أكره، حاولت كثيرا أن أتكلم مع المختصة النفسية بالمدرسة لكنها كانت دوما تقول لي "روحي معنديش الوقت ليك.. كنت أحس بالانهيار في داخلي لكن لا أحد يلحظني، وفي لحظة ضعف حاولت الانتحار، حيث دخلت على إثر هذه الحادثة للمستشفى، ومن هنا بدأ كل شيء يصبح مظلما بالنسبة لي".

تركت سهام دراستها وقبعت في ظلامها الذي لم يكن يستطيع أحد رؤيته، فالكل كان ينعتها بـ"المهبولة "، إلى أن جاء اليوم الذي أصبحت فيه في الشارع ووجدت وهي تخلع ملابسها دون وعي منها، حينها أحضروها إلى مستشفى البليدة للعلاج، ولأن قانون "العيب والعار" فوق كل اعتبار لدى الأسر الجزائرية، أطلقت سهام تنهيدة حارة وهي تواصل سرد القصة بكل تفاصيلها المؤلمة "لقد جاءتني خالتي وقالت لي إنهم تبرأوا مني ولم  أعد مقبولة كفرد من عائلتهم".

والحكاية لم تنته هنا، بل تواصل سهام حديثها لتسرد الفصل الأسوأ في حياتها، قائلة "لما تحسنت قليلا خرجت وبحثت عن أخوتي من أبي، وعمتي وفعلا وجدتهم، لقد بقيت عندهم 3 أيام لكنها كانت أسوأ أيام قضيتها في حياتي، لقد ربطوني بأغلال من حديد كما يربط الكلب، عمتي كانت تفتش كل سنتمتر في جسمي وكانوا ينعتوني بأسوأ الكلمات"، وبعد مرور 3 أيام أحضرها أخوها في أوت من العام 2016 إلى مستشفى فرانس فانون بالبليدة ومنذ ذلك الوقت لم تتلق سهام أي زيارة.

سهام اليوم تحسنت حالتها وهي تتحدث بكل رزانة وتدرك جيدا ما عايشته، المرض ليس ذنبها لكن إهمال العائلة وطلاق الوالدين وتخلي المدرسة عن دورها... كل هذا جعلها تعيش مستقبلا مجهولا، فهل يمكن أن تعود للحياة مجددا؟...

 

طالب جامعي في مصحة الأمراض العقلية!

 

وجد مصطفى نفسه في مصحة الأمراض العقلية بالبليدة وهو في سن 19 سنة، فبعد أن كان طالبا جامعيا يزاول دراسته بالبليدة بدأت حالته النفسية تتدهور، وذلك  بعد إدمانه على تعاطي المخدرات، يقول الدكتور المشرف على علاجه، عرعار جلال "كان مصطفى في حالة يرثى لها، وقد مكث في المستشفى ما يقارب الشهر، تمكن خلالها من التعافي من آثار المخدرات، ولا يزال  يداوم على مواعيد الفحص لحد الآن، ما أثارني في حالة مصطفى هي الإرادة  القوية التي كان يتحلى بها للتخلص من الاضطراب العقلي وآثار المخدرات والعودة إلى الدراسة وبالفعل عاد مصطفى إلى الجامعة بعد سنة من الانقطاع".، ما عرفناه من خلال الطبيب المعالج أن عائلة مصطفى قد وقفت إلى جانبه في هذه المحنة، لكن هناك الكثير من العائلات التي تنبذ الفرد المريض وتعتبر رجوعه للعائلة "عار" حتى بعد أن يشفى، بل في بعض الأحيان تتخلى العائلات عن المريض بعد موته!

 

رفض دفن أخيه الذي لم يزره منذ 10 سنوات!

 

في واقعة أذهلت الجميع، يحدثنا "عماد" وهو عون إداري مكلف بالاتصال بعائلات المرضى "عام 2007 جاء للمستشفى مريض عقلي رفقة أخيه، وقد كانوا من ضواحي ولاية الجلفة، وكالعادة قمنا بتسجيل رقم هاتف الشخص المرافق وعنوانه في حال حدث طارئ، وتمت الإجراءات بدخول المريض للمصحة، لكن هذا المريض لم يتلق أي زيارة كل هذه السنوات وحتى من أخيه المرافق له، (رغم اأه كان يسأل عن عائلته حين يعود إلى وعيه)، توفي هذا المريض قبل أسبوعين بالمستشفى، وحين اتصلت بأخيه لأعلمه الخبر وأطلب منه إحضار سيارة وصندوق لأخذ الجثة ويكمل مراسيم الدفن، قال لي بالحرف الواحد "هل من الضروري أن أحضر؟ هل يمكن أن يقوم المستشفى بالتكفل بمراسيم الدفن دون حضورنا".

هذه العبارة جعلت سمير يتوقف لبرهة في موقف غابت فيه العائلة، والضمير بل أدنى معاني الإنسانية، مما جعل هذا الأخير يحاول إقناع الأخ بأن يحضر فقط لرؤية أخاه المتوفي ودفنه، في حين يتكفل المستشفى بشراء الكفن وكلفة النقل.

 

عرعار جلال: 80 بالمائة من المرضى يعانون من انفصام الشخصية

 

كشف الدكتور عرعار جلال، المختص في الأمراض العقلية بمستشفى البليدة، أن 80 بالمائة من المرضى يعانون من انفصام الشخصية، حيث قال إن الأسباب تعددت بين الاقتصادية والاجتماعية ولكن يضيف "لا يهمنا السبب بقدر ما يهمنا طرق العلاج والتفاعل معها، فالمريض عقليا يكون شخصا مؤهلا أصلا لإصابته بذلك، وتأتي الأسباب كدافع لذلك".

وذكر ذات المتحدث أن طرق العلاج في مستشفى الأمراض العقلية تمر بثلاث مراحل: العلاج بالأدوية، العلاج النفسي الذي من خلاله يفهم المريض حالته، والعلاج الاجتماعي الذي يتمثل في إعادة إدماج المريض في المجتمع من خلال الدراسة، العمل، المشاركة في مختلف النشاطات بالمستشفى.

وعن صعوبة المهنة يبوح لنا عرعار قائلا "لا أخفي أنني في بداية مشواري فكرت بتغيير التخصص، بسبب النظرة السوداوية التي نحملها في أذهاننا عن المرض العقلي، لكن لما بدأت العمل أدركت أنه مرض مثل باقي الأمراض وما ساعدنا على تحمل الضغط، هو طبيعة التكوين الذي نتعرض له، فقد تعلمنا كيف نعالج أنفسنا وكيف نتحكم في الانفعالات وحالات الغضب.

 

 

أكدت أن عائلات تتخلى عن أبنائها حتى بعد العلاج..

د. بن بشير صليحة:

ابن يتهم أمه بالجنون من أجل الحصول على منزل

 

كشفت الدكتورة صليحة بن بشير المختصة في الأمراض العقلية بمستشفى فرنس فانون بالبليدة لـ "البلاد"، عن ظاهرة استفحلت في المجتمع وتتمثل في تخلي العائلات الجزائرية عن مرضاها أثناء تلقيهم العلاج وحتى نبذهم بعد تماثلهم للشفاء. ومثل هذه الحالة نبيلة من منطقة "واد سوف" التي دخلت المصحة منذ عام و3 أشهر، فرغم أنها تماثلت للشفاء لكن لم يرغب أهلها بأخذها لأنها مريضة ولأنها مطلقة!

وقالت الدكتورة التي تعمل بهذه المصلحة منذ 27 سنة "لا أتعب من العمل مع المرضى عقليا لأن هذا واجبي تجاههم بل أتعب لما أجد عائلة تتخلى عن المريض بعد شفائه تسوأ حالته من جديد ويضيع كل المجهود الذي بذلته".

كما باحت لنا ذات المتحدثة أنها خلال عملها بهذه المصلحة صادفت قصصا مؤلمة فتقول "جاءني شاب بأمه مدعيا أنها أصبحت مختلة عقليا وطلب مني أن أحرر له شهادة طبية تثبت ذلك، لكني لم ألاحظ على الأم إلا الوقار والاتزان وحين جلست معها لم أجد بها ما يشير إلى الخلل العقلي"، وأضافت "صارحت الابن أن أمه بحالة جيدة، لكنه بقي مصرا على رأيه، وكشفت أثناء حديثي معه أنه يتهمها بعدم الاتزان لأنها قررت منح منزلها لأخوه الأصغر فأراد الحصول على شهادة طبية ليبطل عقد التنازل الذي كتبته الأم لإبنها".

وصرحت الدكتورة أن المصحة تستقبل سنويا الكثير من المرضى من كل الفئات منهم مهندسون وأطباء لذلك تقول "يجب أن نتقبل أن هذا مرض مثل جميع الأمراض وأن نرأف بحال المريض لا أن نرميه إلى الهاوية ونتخلى عنه".

    

مقالات الواجهة

الأكثر قراءة

  1. ولاية جزائرية تُسجل أعلى درجة حرارة عالميًا

  2. موجة حر شديدة في هذه الولايات

  3. أمطار رعدية تصل إلى 20 ملم على هذه الولايات

  4. أمطار رعدية تصل على هذه الولايات

  5. إطلاق خدمة رقمية جديدة لصالح طالبي العمل والمستخدمين

  6. درجات حرارة تصل إلى 49 درجة على هذه الولايات

  7. برنامج المشاركة الجزائرية في سابع أيام الألعاب المتوسطية

  8. معهد باستور: بعوضة النمر تغزو شمال الجزائر

  9. هذا هو برنامج المشاركة الجزائرية في ثامن أيام ألعاب وهران

  10. لجنة تنظيم الألعاب المتوسطية تعلن عن التوقف المؤقت لبيع تذاكر المنافسات الرياضية